الصفحة 64 من 204

فإذا قَالَ قائلٌ - مثلًا-: كَيْفَ يَنْزِلُ ربُّنا إلى سماءِ الدُّنْيَا؟ قيلَ له: كَيْفَ هو؟ فإذا قَالَ: لا أَعلمُ كيفيَّتَه، قِيلَ له: ونحنُ لا نَعْلَمُ كيْفِيَّةَ نُزولِه؛ إذِ العِلمُ بكيْفِيَّةِ الصِّفَةِ يستلْزِمُ العِلمَ بكيْفِيَّةِ الموصوفِ، وهو فرعٌ له وتابعٌ له؛ فَكَيْفَ تُطالِبُني بكيْفِيَّةِ سمْعِه وبصَرِه وتكلِيمِه واستوائِه ونُزولِه وأنتَ لا تَعلمُ كيْفِيَّةَ ذاتهِ؟ وإذا كنتَ تُقِرُّ بأنَّ له حقيقةً ثابتةً في نفْسِ الأمرِ مستوجِبةً لصفاتِ الكمالِ لا يُماثلُها شيءٌ، فسمْعُه وبصَرُه وكلامُه ونُزولُه واستواؤه ثابتٌ في نفْسِ الأمرِ، وهو مُتّصِفٌ بصفاتِ الكمالِ الَّتِي لا يُشابِهُه فيها سمْعُ المخلوقينَ وبصَرُهم وكلامُهم ونُزولُهم واستواؤهُم، وهذا الكلامُ لازِمٌ لهم في العقليَّاتِ وفي تأويلِ السَّمْعِيَّاتِ. فإنَّ مَن أثبتَ شيئًا ونفَى شيئًا بالعقلِ أُلْزِمَ إذًا في ما نَفاهُ مِن الصِّفَاتِ الَّتِي جَاءَ بها الكِتابُ والسُّنَّةُ نظيرَ ما يَلْزَمُه فيما أثْبَتَهُ، ولو طُولِبَ بالفَرْقِ بينَ المَحْذورِ في هذا وهذا لم يجِدْ بينَهما فَرْقًا، ولهذا لا يُوجَدُ لنُفاةِ بعضِ الصِّفَاتِ الَّذِين يُوجِبونَ فيما نَفَوْهُ إمَّا التَّفويَض وإما التَّأوَيل المخالَف لمُقْتَضى اللَّفْظِ قانونٌ مستقيمٌ.

فإذا قِيلَ لهم: لِمَ تأوَّلْتُم هذا وأَقررْتُم هذا؟ والسُّؤالُ فيهما واحدٌ، لم يكُنْ لهم جوابٌ صحيحٌ، فإنَّ مَن تأوَّلَ النُّصوصَ على معنًى مِن المعاني آخَرَ لَزِمَهم في المعنى المصروفِ إليه ما كان يَلْزَمُهُم في المعنى المصْروفِ عنه. اهـ.

وقَالَ ابنُ القيِّمِ في معنى قولِ بعضِ السَّلَفِ: نُثْبِتُ الصِّفَاتَ لِلَّهِ بلا كيفٍ.

(( ومُرادُ السَّلَفِ بقولِهم بلا كيفٍ هو نفيٌ للتأويلِ، فإنَّه التَّكييفُ الَّذِي يزعُمُه أهلُ التَّأويلِ، فإنَّهم همُ الَّذِين يُثْبِتونَ كيْفِيَّةً تُخالِفُ الحقيقةَ، فيَقَعُونَ في ثلاثةِ محاذيرَ: نفْيِ الحقيقةِ، وإثباتِ التَّكييفِ بالتَّأويلِ، وتعطيلِ الرَّبِّ عن صفَتِه الَّتِي أثبَتَها لنفْسِه، وأمَّا أهلُ الإثباتِ فلَيْسَ أحدٌ منهم يُكَيِّفُ ما أثْبَتَه اللَّهُ تَعَالَى لنفْسِه، ويقولُ: كَيْفِيَّتُهُ كذا وكذا حَتَّى يكونَ قولُ السَّلَفِ رَدًّا عليه، وإنَّما رَدُّوا على أهلِ التَّأويلِ الَّذِي يتضمَّنُ التَّحريفَ والتَّعطيلَ، تحريفَ اللَّفْظِ وتعطيلَ معناهُ. اهـ.

ولا يُمَثِّلُونَ، والتَّمثيلُ كما تقدَّم، أن يُشَبِّهَ صِفَاتَ اللَّهِ بصِفَاتِ خلْقِه، كأن يقولَ: له يَدٌ كَيَدِي، أو سمْعٌ كسمْعِي ونحوَ ذلك، تَعَالَى اللَّهُ وتقدَّس.

فإِنَّهُ سبحانَه وتعالى أَعْلَمُ بِنَفْسِهِ وبغَيْرِهِ، وأَصْدَقُ قِيلًا، وأَحْسَنُ حَدِيثًا مِنْ خَلْقِهِ، ثُمَّ رُسُلُهُ صادِقُونَ [مَصْدُوقونَ] ؛ بخِلافِ الَّذينَ يَقُولونَ عليِه مَا لا يَعْلَمونَ.

وإذا كان كذلك فيجبُ أنْ يُثْبَتَ له مِن الصِّفَاتِ ما أثبَتَه لنفْسِه وأثبَتَه له رَسُولُه مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وأنْ يُقْتَصَرَ في هذا البابِ بابِ الأسماءِ والصِّفَاتِ على ما وَرَدَ به النصُّ، وما لم يأتِ به النصُّ كلفظِ الجِسْمِ والجوهرِ والعَرَضِ ونحوِ ذلك، فلا يُطْلِقُونَه على اللَّهِ نَفْيًا ولا إثباتًا.

وما جَاءَ في الكِتابِ والسُّنَّةِ مِن الصِّفَاتِ، فهم يَصِفُون اللَّهَ به، ويُثْبتون له حقيقةً مَعَ نفْيِ مماثَلةِ المخلوقاتِ؛ لِأنَّ اللَّهَ خاطَبَنا بلسانٍ عربيٍّ مُبينٍ، وأمَرَنا أنْ نتدَبَّرَ القُرآنَ، والأصلُ في الكلامِ الحقيقةُ.

(( ومَنِ ادَّعى صرْفَ اللَّفْظِ عن ظاهرِه إلى مَجازِه لم يَتِمَّ له ذلك إلاَّ بأربعِ مَقاماتٍ ) ):

(الأول) : بيانُ امتناعِ إرادةِ الحقيقةِ.

(الثَّاني) : بيانُ صلاحيةِ اللَّفْظِ لذلك المعنى الَّذِي عَيَّنَه، وإلاَّ كان مُفْتَرِيًا على اللُّغَةِ.

(الثَّالثُ) : بيانُ تعيينِ ذلك المُجْمَلِ إن كان له عدَّةُ مَجازاتٍ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت