الصفحة 65 من 204

(الرَّابعُ) : الجوابُ عن الدليلِ المُوجِبِ لإرادةِ الحقيقةِ، فما لم يقُمْ بهذه الأربعةِ كانت دعْواهُ - صرْفُ اللَّفْظِ عن ظاهرِه - دَعْوى باطلةً، وإنِ ادَّعى مُجَرَّدَ صرْفِ اللَّفْظِ عن ظاهرِه ولم يُعَيِّنْ مُجْمَلًا لَزِمَه أمْرانِ: أحدُهما: بيانُ الدَّلِيلِ الدَّالِّ على امتناعِ إرادةِ الظَّاهرِ. والثَّاني: جوابُه عن المُعارِضِ )) . ونُفاةُ الصِّفَاتِ أو بعضِها لَيْسَ معهم دليلٌ على نَفْيِها إلَّا مُجرَّدَ الظنِّ والدعْوَى.

قَالَ ابنُ القيِّمِ: فصْلٌ في بيانِ أنَّه مَعَ كمالِ عِلمِ المتكلِّمِ وفصاحتِه وبيانِه ونُصْحِه يمتنِعُ عليه أنَّه يُريدُ بكلامِهِ خلافَ ظاهرِه وحقيقتِه، ويُكْتَفى مِن هذا الأصلِ بذِكْرِ مُناظَرَةٍ جَرَتْ بينَ سُنِيٍّ وجَهْمِيٍّ حدَّثِني بمَضْمونِها شيخُنا عبدُ اللَّهِ بنُ تيميةَ أنَّه جمَعَهُ وبعضَ الجَهْمِيَّةِ مجلسٌ، فَقَالَ الشَّيْخُ: قد تطابقَتْ نصوصُ الكِتابِّ والسُّنَّةِ والآثارِ على إثباتِ الصِّفَاتِ لِلَّهِ تَعَالَى، وتنوَّعَتْ دَلالَتُها أنواعًا تُوجِبُ العِلمَ الضروريَّ بثُبوتِها، وإرادةُ المتكلِّمِ اعتقادَ ما دلَّتْ عليه، والقرآنُ مملوءٌ مِن ذِكْرِ الصِّفَاتِ، والسُّنَّةُ ناطِقةٌ بما نطَقَ به القرآنُ مُقَرِّرةٌ له مصدِّقَةٌ له، مُشْتَمِلَةٌ على زيادةٍ في الإثباتِ. فتارةً يذكُرُ الاسمَ الدَّالَّ على الصِّفَةِ كالسَّميعِ والبصيرِ، وتارةً يذكُرُ المصدرَ وهو الوصفُ الَّذِي اشْتُقَّتْ منه تِلك الصِّفَةُ كقوله: {أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ} وتارةً بِذِكْرِ حُكْمِ تلك الصِّفَةِ كقوله: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ} .

ونظائرُ ذلكَ كثيرةٌ إلى أضعافِ ذلك، مما لو جُمِعَتِ النُّصوصُ والآثارُ فيه لم تنقُصْ عن نصوصِ الأحكامِ وآثارِها، ومِن أَبْيَنِ المُحالِ وأوضحِ الضلالِ حَمْلُ ذلك كلَّه على خلافِ حقيقتِه وظاهرِه، ودعوى المجازِ فيه والاستعارَةِ، وأنَّ الحقَّ في أقوالِ النُّفاةِ المُعطِّلِينَ، وأنَّ تأويلاتِهم هي المُرادَةُ مِن هذه النصوصِ؛ إذ يَلزمُ مِن ذلك مَحاذيرُ ثلاثةٌ لا بُدَّ منها وهي: القدْحُ في عِلمِ المتكلِّمِ بها، أو في بيانِه، أو في نُصْحِه، وتقريرُ ذلك أنْ يُقالَ: إما أنْ يكونَ المتكلِّمُ بهذه النُّصُوصِ عالمًا أنَّ الحقَّ في تأويلاتِ النفاةُ المعطِّلينَ أو لا يَعْلمُ ذلك، فإنْ لم يَعلمْ ذلك كان قدْحًا في عِلمِه (( وإنْ كان عالِمًا أنَّ الحقَّ فيها فلا يَخْلو إمَّا أنْ يكونَ قادرًا على التَّعبيرِ بعباراتِهم الَّتِي هي تنزيهُ اللَّهِ بزعْمِهم عن التَّشبيهِ والتَّمثيلِ والتَّجسيمِ، وأنَّه لا يَعرفُ اللَّهَ مَن لم يُنَزِّهِ اللَّهَ بها، أو لا يكونُ قادرًا على تلك العبارةِ، فإنْ لم يكنْ قادرًا على التَّعبيرِ بذلك لَزِمَ القدْحُ في فصاحَتِه، وكان ورَثةُ الصَّابئةِ وأفراخُ الفلاسفةِ وأوقاحُ المعتزِلةِ والجَهْمِيَّةُ وتلامذةُ الملاحدةِ أفصحَ منه وأحسنَ بيانًا وتعبيرًا عن الحقِّ، وهذا مما يَعلمُ بُطلانَه بالضَّرورةِ أولياؤه وأعداؤه ومُوافِقوه ومُخالِفُوه، فإنَّ مُخالِفيه لم يَشُكُّوا أنَّه أفصحُ الخلْقِ وأقدَرُهم على حُسنِ التَّعبيرِ بما يُطابِقُ المعنى ويُخلِّصُه مِن اللَّبْسِ والإشكالِ، وإن كان قادرًا على ذلك ولم يتكلَّمْ به، وتكلَّمَ دائمًا بخلافِه، كان ذلك قدْحًا في نُصْحِه، وقد وصَفَ اللَّهُ رسلَه بأنَّهم أنصحُ الخلْقِ لأُمَمِهم، فَمَعَ النُّصْحِ والبيانِ والمعرفةِ التَّامَّةِ كَيْفَ يكونُ مَذهبُ النُّفاةِ المعطِّلةِ أصحابُ التَّحريفِ هو الصَّوابَ، وقولُ أهلِ الإثباتِ أَتْباعُ القرآنِ والسُّنَّةِ باطلًا. اهـ.

بخلافِ الَّذِينَ يقولونَ عليه ما لا يعلمونَ مما يدِّعِي المَجازَ في الأسماءِ والصِّفَاتِ وينفيها بشتَّى وسائلِ النَّفْيِ، مُعْرِضِينَ عما دلَّتْ عليه النُّصُوصُ القرآنيَّةُ والأحاديثُ النبويَّةُ الَّتِي لا تُحْصى كثرةً.

قَالَ الشَّيْخُ: وجِماعُ الأمرِ أنَّ الأقسامَ المُمكِنةَ في آياتِ الصِّفَاتِ وأحادِيثها سِتَّةُ أقسامٍ، كُلُّ قِسْمٍ عليه طائفةٌ مِن أهلِ القبلةِ، فقِسمانِ يقولون: تَجْري على ظواهِرِها، وقِسمانِ يقولون على خلافِ ظواهِرِها، وقِسمانِ يَسْكُتونَ.

أمَّا الأوَّلُونَ فقِسمانِ: أحدُهما: مَن يُجْريها على ظاهرِها، ويجعَلُ ظاهرَها مِن جنسِ صِفَاتِ المخلوقينَ فهَؤُلاَءِ المشبِّهةُ، ومذهبُهم باطلٌ أنْكَره السَّلَفُ، وإليه توجَّه الردُّ بالحقِّ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت