الصفحة 66 من 204

والثَّاني: مَن يُجْريها على ظاهرِها اللائقِ بجَلالِ اللَّهِ تَعَالَى كما يُجْري اسمَ العليمِ والقديرِ والرَّبِّ والإلهِ والموجودِ ونحوِ ذلك على ظاهرِها اللائقِ بجَلالِ اللَّهِ، فإنَّ ظواهِرَ هذه الصِّفَاتِ في حقِّ المخلوقِ: إما جوهرٌ مُحْدَثٌ، وإما عَرَضٌ قائمٌ به فالعِلمُ والقُدْرةُ والكلامُ والمشيئةُ والرَّحْمَةُ والرِّضَى والغَضَبُ ونحوُ ذلك في حَقِّ العبدِ إعراضٌ، والوجهُ واليدُ والعَيْنُ في حقِّه أجْسَامٌ. فإذا كان اللَّهُ موصوفًا عندَ عامَّةِ أهلِ الإثباتِ بأنَّ له عِلمًا وقُدرةً وكلامًا ومشيئةً، وإنْ لم يكنْ ذلك عَرَضًا يجوزُ عليه ما يجوزُ على صِفَاتِ المخلوقينَ، جازَ أنْ يكونَ وجهُ اللَّهِ ويَداه صِفَاتٍ لَيْسَت أجسامًا يجوزُ عليها ما يجوزُ على صِفَاتِ المخلوقينَ، وهذا هو المذهبُ الَّذِي حكاهُ الخطَّابيُّ وغيرُه عن السَّلَفِ، وعليه يدلُّ كلامُ جمهورِهمْ وكلامُ الباقِينَ لا يُخالِفُه، وهو أمرٌ واضحٌ، فإنَّ الصِّفَاتِ كالذَّاتِ، فكما أنَّ ذاتَ اللَّهِ ثابتةٌ حقيقةً مِن غيرِ أن تكونَ مِن جنسِ ذواتِ المخلوقينَ، فكذلك صِفَاتُه ثابتةٌ حقيقةً مِن غيرِ أن تكونَ مِن جنسِ صِفَاتِ المخلوقينَ.

ومعلومٌ أنَّ صِفَاتَ كُلِّ موصوفٍ تُناسِبُ ذاتَه وتلائمُ حقيقتَه، فمَن لم يَفهمْ مِن صِفَاتِ الرَّبِّ الَّذِي لَيْسَ كمِثْله شيءٌ إلا ما يناسِبُ المخلوقَ. فقد ضَلَّ في عقلِه ودِينِه، وما أحسنَ ما قاله بعضُهم: إذا قَالَ لكَ الجَهْمِيُّ: كَيْفَ اسْتَوَى وكَيْفَ يَنْزلُ إلى سماءِ الدُّنْيَا، وكَيْفَ يداه ونحوَ ذلك؟ فقُلْ له: كَيْفَ هو في نفْسِه، فإذا قَالَ لك لا يَعلمُ ما هو إلا هو، وكُنْهُ البَارِي غيرُ معلومٍ للبشرِ، فقُلْ له: والعِلمُ بكيْفِيَّةِ الصِّفَةِ مستلْزِمٌ للعِلمِ بكيْفِيَّةِ الموصوفِ.

فَكَيْفَ يمكنُ أن تَعلمَ كيْفِيَّةَ صِفةِ موصوفٍ لم تَعلَمْ كيفيَّتَه، وإنَّما تَعلَمُ الذَّاتَ والصِّفَاتَ مِن حَيْثُ الجُملةِ على الوجهِ الَّذِي ينبغي لك.

بلْ هذه المخلوقاتُ في الجَنَّةِ قد ثبتَ عن ابنِ عباسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أنَّه قَالَ:

لَيْسَ في الدُّنْيَا ممَّا في الجَنَّةِ إلا الأسماءُ، وقد أخبَرَ اللَّهُ تَعَالَى: أنَّه لا تَعلمُ نفْسٌ ما أُخْفِيَ لهم مِن قُرَّةِ أَعْيُنٍ، وأخبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنَّ في الجَنَّةِ ما لا عينٌ رأتْ، ولا أُذُنٌ سمعَتْ، ولا خَطَرَ على قلبِ بشَرٍ.

فإذا كان نعيمُ الجَنَّةِ وهو خَلْقٌ مِن خَلْقِ اللَّهِ كذلك. فما الظَّنُّ بالخالِقِ سُبْحَانَهُ؟! وهذه الرُّوحُ قد عَلِمَ العاقلُ اضطرابَ النَّاسِ فيها، وإمساكَ النُّصُوصِ عن بيانِ كيفيَّتِها. أفلا يَعْتَبِرُ العاقلُ بها عن الكلامِ في كيْفِيَّةِ اللَّهِ تَعَالَى؟ مَعَ أَنَّا نَقطعُ أنَّ الرُّوحَ في البَدَنِ، وأنَّها تَخرُجُ منه، وتَعرُجُ إلى السَّمَاءِ، وأنَّها تُسَلُّ منه وقتَ النزْعِ. كما نطقَتْ بذلك النُّصُوصُ الصَّحيحةُ. فعدَمُ مُماثَلَتِها للبَدنِ لا ينفي أنْ تكونَ هذه الصِّفَاتُ ثابتةً لها بحَسبِها.

وأمَّا القِسمانِ اللذانِ ينفيانِ ظاهرَها ويقولون: هي على خلافِ ظاهرِها، أعني الَّذِين يقولون لَيْسَ لها في الباطنِ مدلولٌ هو صفةٌ لِلَّهِ تَعَالَى قطُّ، وأنَّ اللَّهَ لا صفةَ له ثُبوتيَّةً، أو يُثْبتونَ بعضَ الصِّفَاتِ، أو يُثْبتونَ الأحوالَ دونَ الصِّفَاتِ على ما قد عُرِفَ مِن مذاهبِ المتكلِّمِينَ.

فهَؤُلاَءِ قِسمانِ: قِسْمٌ يتأوَّلُونها ويُعيِّنُون المرادَ مِثْلَ قولِهم: (( استوَى بمعنى استوْلَى ) )أو بمعنى عُلُوِّ المكانةِ والقَدْرِ، أو بمعنى ظُهورِ نُورِه للعرْشِ، أو بمعنى انتهاءِ الخلْقِ إليه. إلى غيرِ ذلك مِن معاني المتكلِّمِينَ. وقِسمٌ يقولون: اللَّهُ أعلمُ بما أرادَ بها، لكنَّا نَعلمُ أنَّه لم يُرِدْ إثباتَ صفةٍ خارجةٍ عما عَلِمْناه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت