فهرس الكتاب
وأمَّا القِسمانِ الواقفانِ فقِسْمٌ يقولون: يجوزُ أن يكونَ المرادُ بظاهرِها المرادَ اللائقَ باللَّهِ تَعَالَى، ويجوزُ أنْ يكونَ المرادُ صفةً لِلَّهِ. وهذه طريقةُ كثيرٍ مِن الفقهاءِ وغيرِهم، وقِسْمٌ يُمْسِكونَ عن ذلك كُلِّه، ولا يَزيدونَ على تِلاوةِ القرآنِ وقراءةِ الحديثِ، مُعْرِضينَ بقُلوبِهم وألسنَتِهم عن هذه التَّقديراتِ. فهذه الأقسامُ السِّتَّةُ الَّتِي لا يمكنُ أنْ يَخرُجَ الرجُلُ عن قِسْمٍ منها. والصَّوابُ في كثيرٍ من آياتِ الصِّفَاتِ وأحادِيثِها القطْعُ بالطَّرِيقةِ الثَّانيةِ. اهـ
ولهذا قالَ: {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلاَمٌ عَلَى المُرْسَلِينَ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمينَ} . فَسَبَّحَ نَفْسَهُ عَمَّا وَصَفَهُ بِهِ المُخَالِفُونَ لِلرُّسُلِ، وسَلَّمَ عَلَى المُرْسَلينَ؛ لِسَلامَةِ مَا قَالُوهُ مِنَ النَّقْصِ والعَيْبِ.
التَّسبيحُ: هو التَّنْزيهُ والتَّبرِئةُ مِن العُيوبِ، أيْ: ولأنَّه سُبْحَانَهُ أَعْلمُ بنفْسِه وبغيرِه، وأصدْقُ قِيلًا وأحسَنُ حديثًا مِن غيرِه؛ ولِأنَّ رسُلَه صادِقُون مُصَدِّقُونَ، وقد أخْبَرُوا عنِ اللَّهِ أنَّه مُتَّصِفٌ بصفاتِ الكمالِ، وهم لا يقولونَ إلا الحَقَّ والصِّدْقَ، وقد بَلَّغُوا ما أُرْسِلوا به على الوجهِ الأكملِ، فمَنْ نهَجَ نَهْجَ الرُّسُلِ وسارَ على طريقِهم صدَّقَهُم فيما أخْبَروا به.
ومَن حَادَ عن سبيلِهم، كذَّبَهم، ورَدَّ ما جاءوا به، بالتَّكذيبِ الصَّريحِ أو بالتَّأويلِ الفاسدِ.
ونَزَّهَ اللَّهُ نفْسَه عمَّا نسَبَهُ إليه المُشركونَ مِن اتِّخاذِ الصَّاحِبةِ والوَلدِ، وعن كُلِّ نَقْصٍ وعَيْبٍ.
وفي اقْتِرانِ السَّلامِ على المُرْسلينَ بتسبيحِه لنفْسِه ما يتضمَّنُ الرَّدَّ على كُلِّ مُبْطِلٍ ومُبْتَدِعٍ. فسَلامُهُ عليهم يقتضِي سلامَتَهم مِن كُلِّ ما يقولُ المُكَذِّبونَ المخالِفونَ لهم، ويتضمَّنُ سَلامَةَ كُلِّ ما جاءوا به مِن الكَذِبِ والشِّرْكِ والنَّقصِ والعيبِ، وأَعْظمُ ما جاءوا به هو التَّوْحِيدُ ومعرِفةُ اللَّهِ بصفاتِ كَمَالِه مما وصَفَ به نفْسَه على أَلْسِنَةِ رُسُلِه. وهذه الآيةُ:
كقولهِ تَعَالَى: {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلاَمٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى} .فإنَّه يتضمَّنُ حمْدَه بِما له مِن نُعوتِ الكمالِ وأوصافِ الجَلالِ والأفعالِ الحميدةِ والأسماءِ الحُسْنَى وسلامةِ رسُلِه مِن كُلِّ نقصٍ وعيبٍ، فالرَّبُّ سُبْحَانَهُ حَمِدَ نفْسَه وسلَّمَ على عِبادِه وأمَرَ رَسُولَه بتبليغِ ذلك. فإذا قَالَ الرَّسُولُ الحمدُ لِلَّهِ وسلامٌ على عِبادِه الَّذِين اصطَفى، كان قد حَمِدَ اللَّهَ بما حَمِدَ به نفْسَه، وسلَّمَ به هو على عِبادِه، فهو سلامٌ مِن اللَّهِ ابتداءً، ومِن المُبَلِّغِ بلاغًا، ومِن العِبادةِ اقتداءً وطاعةً. فنحنُ نقولُ كما أمَرَنا: الحمدُ لِلَّهِ، وسلامٌ على عبادِه الَّذِين اصطَفى.
وقَالَ الحافِظُ ابنُ كثيرٍ: ولمَّا كان التَّسبيحُ يتضمَّنُ التَّنزيهَ والتَّبرِئةَ مِن النقصِ بدَلالةِ المطابَقةِ، ويستلْزِمُ إثباتَ الكمالِ، كما أنَّ الحمدَ يَدلُّ على إثباتِ صِفَاتِ الكمالِ مطابقةً ويستلْزِمُ التَّنزيهَ مِن النقصِ فُرِّقَ بينَهما في هذا الموضعِ وفي مَواضِعَ كثيرةٍ. اهـ.
وهُو سُبْحَانَهُ قَدْ جَمَعَ فِيما وَصَفَ وسَمَّى بِه نَفْسَهُ بينَ النَّفْيِ والإِثْباتِ.
فَلا عُدُولَ لأهْلِ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ ممَّا جَاءَ بِهِ المُرْسَلُونَ؛ فإِنَّهُ الصِّرَاطُ المُسْتَقِيمُ، صِرَاطُ الَّذينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقينَ والشُّهَداءِ والصَّالِحين َ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا.
فالنفيُ - كما في السِّنَةِ والنَّوْمِ والتَّعَبِ واللُّغوبِ، وكذلك السَّمِيُّ والنِّدُّ والْكُفْوَةُ، والإثباتُ كما في قولِهِ: {وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ * ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ * فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ} . وهو العزيزُ الحكيمُ. . التَّوابُ الرَّحيمُ. . العزيزُ الجبَّارُ المُتَكَبِّرُ، إلى غيرِ ذلك مِن أسمائِه سُبْحَانَهُ وصفاتِه. والقرآنُ جَاءَ بنَفْيٍ مُجمَلٍ وإثباتٍ مُفَصَّلٍ.
قَالَ الشَّيْخُ: فالكَلامُ في بابِ التَّوْحِيدِ والصِّفَاتِ هو مِن بابِ الخبرِ الدَّائرِ بينَ النَّفيِ والإثباتِ.