فهرس الكتاب
واللَّهُ سُبْحَانَهُ بَعَثَ رسُلَه بنفْيٍ مُجْمَلٍ وإثباتٍ مُفَصَّلٍ، فأثْبَتوا لِلَّهِ الصِّفَاتَ على وجهِ التَّفصيلِ، ونَفَوْا عنه ما لا يَصلُحُ له مِن التَّشبيهِ والتَّمثيلِ.
وأمَّا الإثباتُ المُفصَّلُ فإنَّه ذَكَرَ مِن أسمائِه وصفاتِه ما أنْزَلَه في مُحْكَمِ آياتِه، فإنَّ في ذلك مِن إثباتِ ذاتِه وصفاتِه على وجهِ التَّفصيلِ، وإثباتِ وحدانيَّةٍ بنفيِ التَّمثيلِ ما هدى اللَّهُ به عِبادَهُ إلى سواءِ السَّبِيلِ. فهذه طريقةُ الرُّسُلِ.
وأمَّا مَنْ زَاغَ وحَادَ عن سبيلِهم مِن الكُفَّارِ المشركينَ والَّذِين أُوتوا الكتابَ ممَّن دخَلَ في هَؤُلاَءِ مِن الصَّابئةِ والمتفلسِفةِ والجَهْمِيَّةِ والقرامِطةِ البَاطِنِيَّةِ ونحوِهم فإنَّهم على ضِدِّ ذلك يصفونَه بالصِّفَاتِ السَّلْبيَّةِ على وجهِ التَّفصيلِ، ولا يُثْبِتونَ إلاَّ وُجودًا مُطْلقًا لا حقيقةَ له عندَ التَّحصيلِ. وإنما يَرْجِعُ إلى وُجودٍ في الأذهانِ يمْتَنِعُ تحَقُّقُه في الأعيانِ، فقولُهم يستلْزِمُ غايةَ التَّعطيلِ، وغايةَ التَّمثيلِ، فإنَّه يُمَثِّلونه بالمُمْتَنِعاتِ والمَعدوماتِ والجمَاداتِ، ويُعَطِّلونَ الأسماءَ والصِّفَاتَ تعطيلًا يَستلزِمُ نفْيَ الذَّاتِ، فَغُلاتُهم يَسلُبونَ عنه النقيضَيْنِ، فيقولون: لا مَوجودَ ولا معدومَ، ولا حيَّ ولا ميِّتَ، ولا عالِمَ ولا جاهِلَ، لأنَّهم يزعُمون أنَّهم إذا وصَفُوه بالإثباتِ شبَّهوهُ بالموجوداتِ، وإذا وَصَفُوه بالنفيِ شبَّهُوه بالمعدوماتِ فوصَفُوه بالنقيضَيْنِ، وهذا مُمْتَنِعٌ في بداهةِ العقولِ، وحَرَّفوا ما أَنْزلَ اللَّهُ مِن الكتابِ، وما جَاءَ به الرَّسُولُ فوَقَعُوا في شَرٍّ ممَّا فَرُّوا منه، فإنهم شبَّهُوه بالممتنعاتِ؛ إذْ سلْبُ النقيضَيْنِ كجَمْعِهما كِلاهما مِن الممتنعاتِ، وقد عُلِمَ أنَّه لابدَّ مِن مَوجودٍ قديمٍ واجبٍ بذاتِه غنِيٍّ عمَّا سِواه قديمٍ أزليٍّ لا يجوزُ عليه الحدوثُ ولا العدمُ، فوَصَفوه بما يمتَنِعُ وُجودُه فضْلًا عَن الوجوبِ أو الوجودِ أو القِدَمِ.
وقارَبَهم طائفةٌ مِن الفلاسفةِ وأتباعِهم، فوصَفُوه بالسُّلُوبِ والإضافاتِ دونَ صِفَاتِ الإثباتِ، وجَعَلوه هو الوجودُ المُطْلَقُ بشرطِ الإطلاقِ، وقد عُلِمَ بصريحِ العقلِ أنَّ هذا لا يكونُ إلاَّ في الذِّهْنِ لا فيما خَرَجَ عنه مِن المَوجوداتِ وجعَلَوا الصِّفَاتَ هي الموصوفُ فجعلوا العِلْمَ عَينَ العالِمِ مُكابَرةً لِلقضَايا البديهيَّاتِ، وجعلوا هذه الصِّفَةَ هي الأخرى فلم يُمَيِّزُوا بين العِلمِ والقُدرةِ والمشيئةِ جَحْدًا للعلومِ الضروريَّاتِ.
وقارَبَهم طائفةٌ ثالثةٌ من أهلِ الكلامِ مِن المعتزِلَةِ ومَنِ اتَّبَعَهُم، فأَثْبَتوا لِلَّهِ الأسماءَ دُونَ ما تضمَّنَتْه مِن الصِّفَاتَ، فمنهم مَن جعَلَ العليمَ والقديرَ والسَّميعَ والبصيرَ كالأعلامِ المَحْضةِ المترادفاتِ، ومنهم مَن قَالَ: عليمٌ بلا عِلمٍ، قديرٌ بلا قُدرةٍ، سميعٌ بلا سمْعٍ، بصيرٌ بلا بصَرٍ، فأثْبَتوا لِلَّهِ الاسْمَ دُونَ ما تضمَّنَه مِن الصِّفَاتِ، والكلامُ على فَسادِ مقالةِ هَؤُلاَءِ وتناقُضِها بصريحِ المعقولِ المطابِقِ لصحيحِ المنقولِ مَذكورٌ في غيرِ هَؤُلاَءِ الكلماتِ، وهَؤُلاَءِ يَفِرُّون مِن شيءٍ فيَقَعُونَ في نَظيرِه بلْ في شَرٍّ منه مَعَ ما يَلْزَمُهم مِن التَّحريفِ والتَّعطيلِ.
وذلك أنَّه قد عُلمَ بالضَّرورةِ أنَّه لابدَّ مِن مَوجودٍ قديمٍ غنيٍّ عمَّا سِواه؛ إذْ نحنُ نُشاهِدُ حدوثَ المُحْدَثاتِ، كالحيوانِ والمَعْدِنِ والنباتِ، والحادثُ مُمْكنٌ لَيْسَ بواجِبٍ ولا ممتنِعٍ، وقد عُلمَ بالأضرارِ أنَّ المُحْدَثَ لابدَّ له من مُحْدِثٍ، والمُمْكنَ لابدَّ له مِن مُوجِدٍ، كما قَالَ تَعَالَى: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ} . فإذا لم يَكونوا خُلِقوا من غيرِ خالقٍ، ولا هُمُ الخالِقونَ لأنْفُسِهم تَعَيَّنَ أنَّ لهم خالِقًا خلَقَهم.
وإذا كان مِن المَعْلومِ بالضَّرورةِ أنَّ في الوُجودِ ما هو قديمٌ واجِبٌ بنَفْسِه، وما هو مُحْدَثٌ مُمْكنٌ يَقبَلُ الوجودَ والعدَمَ، فمعلومٌ أنَّ هذا موجودٌ وهذا موجودٌ، ولا يَلزَمُ مِن اتِّفاقِهِما في مُسَمَّى الوجودِ أن يكونَ وُجودُ هذا مثلَ وجودِ هذا، بلْ وجودُ هذا يَخُصُّه