فهرس الكتاب
ووجودُ هذا يَخُصُّه، واتفاقُهُما في اسْمٍ عامٍّ لا يقتضِي تَماثُلَهما في مسمَّى ذلك الاسْمِ عندَ الإضافةِ والتَّخصيصِ والتَّقييدِ، ولا في شيءٍ غيرِهِ، فلا يقولُ عاقِلٌ إذا قِيلَ إنَّ العرشَ شيءٌ موجودٌ والبَعُوضَ شيءٌ موجودٌ:
إنَّ هذا مِثْلُ هذا لاتفاقِهِما في مسمَّى الشَّيْءِ والوجودِ؛ لأنَّه لَيْسَ في الخارجِ شيءٌ موجودٌ غيرُهما يَشتركانِ فيه، بلِ الذِّهْنُ يأخُذُ معنًى مشتَركًا كُلِّيًا هو مسمَّى الاسمِ المُطلْقِ، وإذا قِيلَ هذا موجودٌ وهذا موجودٌ فوجودُ كُلٍّ منهما يخُصُّه ولا يَشْرَكُه فيه غيرُه مَعَ أنَّ الاسْمَ حقيقةٌ في كُلٍّ منهما. اهـ.
(( فَلا عُدُولَ لأهْلِ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ عَمَّا جَاءَ بِهِ المُرْسَلُونَ ) ).
ومِنْ ذلك إثباتُ صِفَاتِ الكمالِ لِلَّهِ وتنزيهُهُ عمَّا لا يَليقُ به سُبْحَانَهُ، فإنَّ الرُّسُلَ عليهم السَّلامُ قد أثْبَتوا لِلَّهِ صِفَاتَ الكمالِ، وقرَّرُوا ذلك الأصلَ العظيمَ وأبدَوْا فيه وأعادُوا ولم يقولوا لأُِمَمِهم أنَّ هذه الصِّفَاتَ على خلافِ ظاهرِها، وأنَّها واجبةُ التَّأويلِ كما يقولُه ذَوو الزيْغِ، وآخِرُ الرُّسُلِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الَّذِي أَكْملَ اللهُ به الدِّينَ، ولم يَأْلُ جُهْدًا في النُّصْحِ والتَّبليغِ، حَتَّى قَالَ:"تَرَكْتُكم على المَحَجَّةِ البيضاءِ ليلُها كنَهارِها، ولا يَزيغُ عنها بعدي إلا هالِكٌ". وكان يُعَلِّمُ أصحابَه آدابَ الغائطِ والوطءِ، وآدابَ الطَّعامِ والشَّرابِ، وقَالَ:"مَا بَعَثَ اللَّهُ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى خَيْرِ مَا يَعْلِّمُهُ لَهُمْ، وَيَنْهَاهُمْ عَنْ شَرِّ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ". وقَالَ أبو ذَرٍّ: تُوفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وما طائِرٌ يُقَلِّبُ جَناحَيْهِ إلَّا ذَكَرَ لنا منه عِلمًا.
فمِن المُحالِ مَعَ هذا أن يدَعَ ما خُلِقَ له الخَلْقُ، وأُرْسِلَتْ له الرُّسُلُ وأُنْزِلَتْ به الكتُبُ، وأُسِّسَتْ عليه المِلَّةُ، وهو بابُ الإيمانِ باللَّهِ، ومعرفَتِه، ومعرفةِ أسمائِه وصفاتِه وأفعالِه، مُتَلَبِّسًا حقُّه بباطلِه، مَعَ شِدَّةِ حاجةِ النُّفوسِ إلى معرفتِه، وهو أفضلُ ما اكتسبَتْهُ النُّفوسُ، وأجَلُّ ما حصَّلَتْهُ القُلوبُ، فَكَيْفَ يُتَوَهَّمُ مَنْ لِلَّهِ ورسُولِهِ في قَلْبِه وَقارٌ أنْ يعتَقِدَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد أمْسَكَ عن بيانِ هذا الأمرِ العظيمِ؟ ولم يتكلَّمْ فيه بالصَّوابِ؟ - مَعاذَ اللَّهِ - بلْ لا يَتِمُّ الإيمانُ إلا بأنْ يُعْتَقَدَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد بَيَّنَ ذلك أتَمَّ البيانِ وأوْضَحَهُ غايةَ الإيضاحِ، ولم يدَعْ لقائِلٍ مَقالًا ولا لمُتأوِّلٍ تأويلًا.
ثم مِن المُحالِ أن يكونَ خيْرُ الأُمَّةِ وأفضَلُها وأسبَقُها إلى كُلِّ خيْرٍ قَصَّرُوا في هذا البابِ، فجَفَوْا عنه وتَجاوَزوا فضَلُّوا فيه، وإنما ابْتُلِيَ مَن خرَجَ عن مَنَاهِجِهم بهذَيْنِ الدَّائَيْنِ، والحالُ في هَؤُلاَءِ المُبتدِعةِ الَّذِين فضَّلُوا طريقةَ الخلَفِ على طريقةِ السَّلَفِ، حَيْثُ ظنُّوا أنَّ طريقةَ السَّلَفِ هي مُجرَّدُ الإيمانِ بألفاظِ القرآنِ والحديثِ، مِن غيرِ فقهٍ لذلك بمَنزِلةِ الأُمِّيِّينَ الَّذِين قَالَ اللَّهُ فيهم: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ} . وأنَّ طريقةَ الخلَفِ وهي استخراجُ معاني النُّصُوصِ المصروفةِ عن حقائقِها بأنواعِ المجازاتِ وغرائبِ اللغاتِ، فهذا الظَّنُّ الفاسِدُ أوجبَ تلك المَقالاتِ- الَّتي مضمونُها نبذُ الإسلامِ وراءَ الظَّهْرِ.
فجمعوا بين الجهْلِ بطريقةِ السَّلَفِ في الكَذِبِ عليهم، وبينَ الجهْلِ والضَّلالِ بتصويبِ طريقةِ الخلَفِ، وسببُ ذلك اعتقادُهم أنَّه لَيْسَ في نفْسِ الأمرِ صفةٌ دلَّتْ عليها هذه النُّصُوصُ، فلما اعتقَدُوا التَّعطيلَ وانتفاءَ الصِّفَاتِ في نفْسِ الأمرِ، وكان لابدَّ مَعَ ذلك للنُّصوصِ مِن معنًى، بَقَوْا مُتَردِّدينَ بين الإيمانِ باللَّفْظِ وتفويضِ المعنى - وهي الَّتِي يُسمُّونها طريقةَ السَّلَفِ - وبين صرْفِ اللَّفْظِ إلى معانٍ بنوعِ تكلُّفٍ، وهي الَّتِي يسمُّونَها طريقةَ الخلَفِ، فصارَ هذا الباطلُ مُرَكَّبًا مِن فسادِ العقلِ، والكُفْرِ بالسَّمْعِ، فإنَّ النَّفْيَ إنما اعتمَدوا فيه على أمورٍ عقليَّةٍ، ظنُّوها بيِّناتٍ وهي شُبُهاتٌ، والسَّمْعَ حرَّفُوا فيه الكلامَ عَن مواضِعِه،