فهرس الكتاب
فلما انْبَنَى أمْرُهم على هاتَيْن المقدِّمَتَيْنِ الكاذبتَيْنِ كانتِ النتيجةُ استجهالَ السَّابقينَ الأوَّلينَ، الَّذِينَ همْ أعْلمُ الأُمَّةِ باللَّهِ وصفاتِه، واعتقادَ أنَّهم كانوا أُمِّيَّينَ بمَنْزلةِ الصَّالحينَ مِن العامَّة، لم يَتَبَحَّروا في حقائقِ العِلمِ باللَّهِ، ولم يتَفَطَّنوا لدَقائقِ العِلمِ الإلهيِّ، وأنَّ الخلَفَ الفضلاءَ حازوا قَصَبَ السَّبْقِ في هذا كلِّه، وهذا القولُ إذا تَدبَّره الإنسانُ وجدَه في غايةِ الجهالةِ، بلْ في غايةِ الضَّلالةِ، كَيْفَ يكونُ هَؤُلاَءِ المتأخِّرونَ - لا سيما والإشارةُ إلى ضرْبٍ مِن المتكلِّمينَ كَثُرَ في بابِ الدِّينِ اضطرَابُهم، وغَلُظَ عن معرفةِ اللَّهِ حِجابُهمْ، وأُخْبِرَ الواقِفُ على نهايةِ أمرِهم بما انتهى إليه أمرُهم مِن الشكِّ والحَيْرَةِ.
كَيْفَ يكونُ هَؤُلاَءِ الحيارَى أَعلمَ باللَّهِ وأسمائِه وصفاتِه، وأَحكمَ في بابِ ذاتِه وآياتِه مِن السَّابقينَ الأوَّلينَ مِن المهاجرينَ والأنصارِ والَّذِين اتَّبَعوهم بإحسانٍ، مِن ورَثةِ الأنبياءِ وخُلفاءِ الرُّسُلِ، الَّذِين وَهَبَهم اللَّهُ مِن الحكمةِ ما بَرَزوا به على سائرِ أتباعِ الأنبياءِ فضْلًا عَن سائرِ الأُمَمِ الَّذِين لا كتابَ لهم، وأحاطوا مِن حقائقِ المعارفِ وبواطنِ الحقائقِ بما لو جُمِعَتْ حكمةُ غيرِهم إليها لاسْتَحى مَن يطلُبُ المقابلةَ. وأصلُ العُدولِ في اللُّغَةِ المَيْلُ والانحرافُ.
والصِّراطُ المستقيمُ هو المذكورُ في دعاءِ المؤمنينَ في سُورةِ الفاتِحةِ، وهو الصِّرَاطُ المذكورُ في قولِه تَعَالَى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطيِ مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ} .
قَالَ ابنُ مسعودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: خَطَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خطًّا بيَدِه ثم قَالَ: هذا سبيلُ اللَّهِ مستقيمًا، وخَطَّ عن يَمِينِه وعن شِمَالِه ثم قَالَ:"هَذِهِ السُّبُلُ، لَيْسَ مِنْهَا سَبِيلٌ إِلَّا عَلَيْهِ شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ"ثم قَرَأَ: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ} .
ولا تكونُ الطَّرِيقُ صراطًا حَتَّى تتضمَّنَ خمسةَ أمورٍ: الاستقامةُ، والإيصالُ إلى المقصودِ، والقُرْبُ، وسَعَتُه للمارِّينَ عليه، وتَعَيُّنُه طريقًا للمقصودِ، ولا يخْفَى تضمُّنُ الصِّرَاطِ المستقيمِ لهذه الأمورِ الخمسةِ.
فوصْفُه بالاستقامةِ يتضمَّنُ قُرْبَه؛ لأنَّ الخطَّ المستقيمَ هو أقربُ خطٍّ فاصِلٍ بين نقطتَيْنِ، وكلَّما تَعَوَّجَ طالَ وبَعُدَ، واستِقامَتُه تتضمَّنُ إيصالَه إلى المقصودِ، ونَصْبُهُ لِجَميعِ المارِّينَ عليه يَستلْزِمُ سَعَتَه، وإضافَتَه إلى المُنْعِمِ عليهم، ووصْفُه بمخالَفةِ صراطِ أهلِ الغضبِ والضَّلالِ يَستلْزِمُ تَعَيُّنَه طريقًا.
والصِّرَاطُ يُضافُ إلى اللَّهِ، إِذْ هو الَّذِي شرَعَه ونصَبَه كقوله: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا} وقوله: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ} وتارةً يُضافُ إلى العِبادِ كما في الفاتِحةِ، لِكَوْنِهم أهلَ سُلوكِه، وهو المَنْسُوبُ لهم وهم المارُّونَ عليه.
وفي تخصيصِه لأهلِ الصِّرَاطِ المستقيمِ بالنِّعمةِ ما دَلَّ على أنَّ النِّعْمَةَ المُطْلَقةَ هي المُوجِبةُ للفَلاحِ الدَّائمِ، وأمَّا مُطْلَقُ النِّعْمَةِ فعَلَى المُؤْمِنِ والكافرِ، فكُلُّ الخَلْقِ في نعمةٍ.
وهذا فصْلُ النزاعِ في مسألةِ: هلْ لِلَّهِ على الكافرينَ مِن نعمةٍ أمْ لا؟ فالنِّعْمَةُ المُطْلَقةُ لأهلِ الإيمانِ، ومُطْلَقُ النِّعْمَةِ يكونُ للمُؤْمِنِ والكافرِ، كما قَالَ تَعَالَى: {وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} ، والنِّعْمَةُ مِن جِنْسِ الإحسانِ؛ بلْ هي الإحسانُ، والرَّبُّ تَعَالَى إِحْسانُهُ على البَرِّ والفاجرِ، والمُؤْمِنِ والكافرِ، وأمَّا الإحسانُ المُطْلَقُ فللذين اتَّقَوْا، والَّذِين هم مُحْسِنونَ.