فهرس الكتاب
وذِكْرُ الصِّرَاطِ المستقيمِ مُفْرَدًا مُعَرَّفًا تعريفَيْنِ: تعريفًا باللامِ، وتعريفًا بالإضافةِ، وذلك يُفِيدُ تعَيُّنَهُ واختصاصَهُ وأنَّه صراطٌ واحدٌ؛ وأمَّا طُرُقُ أهلِ الغضَبِ والضَّلالِ فإنه سُبْحَانَهُ يَجمعُها، ويُفْرِدُها، كقوله: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} وهذا؛ لِأنَّ الطَّرِيقَ المُوَصِّلَ إلى اللَّهِ واحدٌ، وهو ما بَعَثَ به رسُلَه، وأنْزَلَ به كتُبَه، لا يصِلُ إليه أحدٌ إلا مِن هذا الطَّرِيقِ، ولو أتَى النَّاسُ مِن كُلِّ طريقٍ، واستَفْتَحوا مِن كُلِّ بابٍ فالطُّرُقُ عليهم مسدودةٌ والأبوابُ عليهم مُغْلَقةٌ، إلَّا مِن هذا الطَّرِيقِ الواحدِ، فإنه مُتَّصِلٌ باللَّهِ مُوصِلٌ إلى اللَّهِ، ولمَّا كانَ طالِبُ الصِّرَاطِ المستقيمِ طالبَ أمْرٍ أكْثَرُ النَّاسِ ناكِبونَ عنه، مُريدٌ السَّلوكَ، طَريقٌ مُرافِقُه فيها في غايةِ القلَّةِ والعِزَّةِ، والنُّفُوسُ مَجْبولةٌ على وَحشْةِ التَّفرُّدِ، وعلى الأُنْسِ بالرَّفيقِ نَبَّهَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ على الرَّفيقِ في هذه الطَّرِيقِ وأنَّهم هم {الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} فأَضافَ الصِّرَاطَ إلى الرفيقِ السَّالِكينَ له، وهم الَّذِين أنعمَ اللَّهُ عليهم لِيَزُولَ عن الطَّالبِ للهدايةِ وسُلوكِ الصِّرَاطِ وَحْشةُ تفرُّدِه عن أهلِ زمانِه وبَنِي جِنْسِه، وليَعلمَ أنَّ رَفِيقَه في هذا الصِّرَاطِ هم الَّذِينَ أَنْعمَ اللَّهُ عليهم فَلا يُكْتَرَثُ بمخالَفةِ النَّاكِبينَ عنه، فإنَّهم هم الأَقَلُّونَ قدْرًا وإنْ كانوا الأكثرينَ عددًا.
فالصِّرَاطُ المستقيمُ هو طاعةُ اللَّهِ ورسولِه؛ وهو دِينُ الإسلامِ التَّامِّ، وهو اتِّباعُ القرآنِ؛ وهو لُزومُ السُّنَّةِ والجَماعةِ، وهو طريقُ العبوديةِ وهو طريقُ الخوْفِ والرجاءِ.
وقَدْ دَخَلَ في هذهِ الجُمْلَةِ مَا وَصَفَ بهِ نَفْسَهُ في سُورَةِ الإِخْلاَصِ التي تَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ، حَيْثُ يَقُولُ: {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ * اللهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ * ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} .
الإشارةُ في قولِه"هذه الجملةِ". يعني الَّتي تقدَّمَتْ مِن قولِه: (( وهو سُبْحَانَهُ قد جَمَعَ فيما وَصَفَ وسمَّى به نفْسَه بين النَّفْيِ والإثباتِ ) ).
وقدْ روى أحمدُ في"مُسْندِهِ"عن أُبَيِّ بنِ كعْبٍ في سَبَبِ نُزُولِ هذه السُّورَةِ: أنَّ المشركينَ، قالوا للنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يا مُحَمَّدُ، انْسُبْ لنا ربَّكَ، فأنْزَلَ اللَّهُ هذه السُّورَةَ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ} . وزادَ الطبَريُّ - في روايتِه. قَالَ: الصَّمَدُ الَّذِي لم يلِدْ ولم يُولَدْ، لأنَّه لَيْسَ شيءٌ يُوَلَدُ إلا سيمُوتُ، ولَيْسَ شيءٌ يموتُ إلا سيُورَثُ، وأنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لا يموتُ ولا يُورَثُ ولم يكُنْ له كفوًا أحدٌ، ولم يكُنْ له شَبِيهٌ ولا عَدْلٌ، ولَيْسَ كمِثْلِه شيءٌ. وقَالَ قتادةُ والضَّحَّاكُ ومقاتلٌ: جَاءَ ناسٌ من أحبارِ اليهودِ إلى النَّبِيِّ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ، فقالوا: يا مُحَمَّدُ صِفْ لنا ربَّك لعلَّنا نُؤْمِنُ بكَ فإنَّ اللَّهَ أنْزلَ نعْتَهُ في التَّوراةِ، فأخْبِرْنَا به مِن أيِّ شيءٍ هو؟ ومِن أيِّ جِنْسٍ؟ أمِن ذَهَبٍ أَمْ مِن نُحاسٍ هو، أم مِن صُفْرٍ أَمْ مِن حديدٍ أَمْ مِن فِضَّةٍ؟ وهلْ يأكُلُ ويَشْرَبُ؟ ومَن وَرِثَ الدُّنْيَا ومِمَّن سيُورِثُها؟ فأَنْزَلَ اللَّهُ هذه السُّورَةَ، وهي نسبةُ اللَّهِ خاصَّةً. وقِيلََ في سَبَبِ نُزُولِها غيرُ هذا. وسُورَةُ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} . تَعْدِلُ ثُلُثَ القرآنِ، والأحاديثُ بذلك تكادُ تبلُغُ مبْلغَ التَّواتُرِ.
فقدْ روى البُخاريُّ في"صحيحِه"عن أبي سعيدٍ أنَّ رجُلًا سمعَ رجُلًا يقْرَأُ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} . يٌردِّدُها، فلمَّا أصبحَ جَاءَ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فذَكَرَ ذلك له وكأنَّ الرجُلَ يَتَقالُّهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهَا لَتَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ ) ).