الصفحة 72 من 204

وفي البُخاريِّ عن أبي سعيدٍ أيضًا. أنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:"أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ فِي لَيْلَةٍ؟"فَشَقَّ ذلك عليهم وقالوا: أيُّنا يُطِيقُ ذلك يا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ:"اللَّهُ الْواحِدُ الصَّمَدُ ثُلُثُ الْقُرْآنِ". وعن عائشةَ في شَأْنِ الرَّجُلِ الَّذِي بَعَثَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في سريَّةٍ فكان يقرأُ لأصحابِه في صلاتِهم فيَخْتِمُهُم بِقُلْ هو اللَّهُ أحدٌ، فأَخْبَرُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: سَلُوه لِأَيِّ شَيْءٍ صَنَعَ ذَلِكَ؟ فسألوه، فَقَالَ: لأنَّها صِفَةُ الرَّحْمَنِ، وأنا أُحِبُّ أنْ أقرأَ بها، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ". رواه البُخاريُّ ومُسْلمٌ.

والأحاديثُ في فضْلِها كثيرةٌ جدًّا - قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: لم يَصِحَّ في فضْلِ سُورةٍ أكْثَرُ مما صَحَّ في فَضْلِهَا. اهـ (( والثَّناءُ أَفْضَلُ مِن الدُّعَاءِ ) )ولهذا كانتْ سُورةُ الإخلاصِ تَعْدِلُ ثُلُثَ القُرآنِ؛ لِأَنَّها أَخْلَصَتْ لِوَصْفِ الرَّحْمَنِ. وفي كَوْنِهَا تَعْدِلُ ثُلُثَ القرآنِ وُجوهٌ أحْسَنُها: أنَّ معانِيَ القرآنِ ثلاثةُ أنواعٍ: توحيدٌ، وقَصصٌ، وأحكامٌ. وهذه السُّورَةُ صفةُ الرَّحْمَنِ فيها التَّوْحِيدُ وحْدَه، وذلك؛ لأنَّ القرآنَ كلامُ اللَّهِ، والكلامُ نَوْعانِ: إمَّا إنشاءٌ، وإمَّا أَخْبارٌ، والأخبارُ: إمَّا خبَرٌ عن الخالِقِ، وإمَّا خبَرٌ عن المخلوقِ. فالإنْشاءُ: هو الأحكامُ، كالأمْرِ، والنَّهْيِ، والخبَرُ عن المخلوقِ هو القَصصُ. والخبَرُ عن الخالِقِ: هو ذِكْرُ أسمائِه وصفاتِه. ولَيْسَ في القرآنِ سُورَةٌ هي وصْفُ الرَّحْمَنِ مَحْضًا إلا هذه السُّورَةِ )) .

والتَّوْحِيدُ نَوْعانِ: عِلمِيٌّ قَوْلِيٌّ، وعَمَلِيٌّ قَصْدِيٌّ، فـ {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} اشتَمَلَتْ على التَّوْحِيدِ العَمَليِّ القَوْليِّ نصًّا، وهي دالَّةٌ على التَّوْحِيدِ العِلْميِّ لُزومًا، و"قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ"اشتمَلَتْ على التَّوْحِيدِ العِلْميِّ القَوْليِّ نصًّا، وهي دالَّةٌ على التَّوْحِيدِ العَمَليِّ لُزومًا؛ ولِهذا كانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقرأُ بها في ركعتَيِ الطَّوَافِ ورَكعتيِ الفَجْرِ وغيرِ ذلك.

وقَالَ ابنُ القيِّمِ: فسُورةُ الإخلاصِ متضمِّنةٌ لِتوحيدِ الاعتقادِ والمعرفةِ، وما يجِبُ إثباتُه للربِّ تَعَالَى مِن الأَحَدِيَّةِ المُنافِيَةِ لمُطْلَقِ المُشارَكةِ بِوَجْهٍ مِن الوُجوهِ، والصَّمَدِيَّةِ المُثْبِتَةِ له جميعَ صِفَاتِ الكَمالِ الَّذِي لا يَلحَقُهُ نَقْصٌ بوَجْهٍ مِن الوُجوهِ، ونَفْيِ الوَلَدِ والوالِدِ الَّذي هو مِن لوازمِ الصَّمَدِيَّةِ، وغِناهُ وأحَدِيَّتِه، ونفْيِ الكُفُؤِ المتضَمِّنِ لنَفْيِ التَّشبيهِ والتَّمثيلِ والتَّنظيرِ، فتضمَّنَتْ هذه السُّورَةُ إثباتَ كُلِّ كَمَالٍ له، ونَفْيَ كُلِّ نَقصٍ عنه، ونفْيَ إثباتِ شبيهٍ أو مثيلٍ له في كمالِه، ونفْيَ مُطْلَقِ الشَّريكِ عنه.

وهذه الأُصولُ هي مَجامِعُ التَّوْحِيدِ العِلْميِّ الاعتقادِيِّ الَّذِي يُبايِنُ صاحبُه جميعَ فِرَقِ الضَّلالِ والشِّرْكِ.

ولذلك كانتْ تَعْدِلُ ثُلُثَ القرآنِ، فأخلصَتْ سُورَةُ الإخلاصِ الخبَرَ عن اللَّهِ وأسمائِه وصفاتِه، فعَدَلَتْ ثُلُثَ القرآنِ، وخلَّصَتْ قارِئَها المُؤْمِنَ مِن الشِّرْكِ العِلْميِّ، كما خلَّصَتْ سُورَةُ {قُلْ يا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} مِن الشِّرْكِ العَمَليِّ الإراديِّ القَصْديِّ. اهـ.

وتفْضِيلُ أحدِ الكلامَيْنِ بأحكامٍ تُوجِبُ تشريفَهُ يدُلُّ على أنَّه أفْضَلُ في نفْسِه، وإلَّا كان ذلك ترجيحًا لأَحدِ المتماثِلَيْنِ بلا مُرَجِّحَ. وهذا خِلافُ ما عُرِفَ مِن سُنَّةِ الرَّبِّ تَعَالَى في شَرْعِه، بلْ وفي خَلْقِه، وخِلافُ ما تدُلُّ عليه الدلائلُ العقليَّةُ مَعَ الشرعيةِ. وأيضًا فقد قَالَ تَعَالَى: {اتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ} . وقَالَ: {فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} وقَالَ: {فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا} فدَلَّ على أنَّ فيما أنْزَلَ حَسَنًا وأحْسَنَ. والقولُ بأنَّ كلامَ اللَّهِ بعْضُه أفْضَلُ من بَعْضٍ هو القولُ المأثورُ عن السَّلَفِ وهو الَّذِي عليه أئمةُ الفقهاءِ مِن الطوائفِ الأربعةِ وغيرِهم، وكلامُ القائلينَ بذلك كثيرٌ مُنْتَشِرٌ في كتُبٍ كثيرةٍ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت