فهرس الكتاب
والمَقصودُ أنْ نُبيِّنَ أنَّ مِثلَ هذا مِن العِلمِ المُستقِرِّ في نُفوسِ الأُمَّةِ السَّابقينَ والتَّابِعِينَ، ولم يُعْرَفْ قطُّ أحدٌ مِن السَّلَفِ رَدَّ مِثْلَ هذا، ولا قَالَ: لا يكونُ كلامُ اللَّهِ بعْضُه أشْرَفَ مِن بعضٍ، فإنَّه كُلَّه مِن صِفَاتِ اللَّهِ ونحوِ ذلك. إنَّما حدَثَ هذا الإنكارُ لمَّا ظهرَتْ بِدَعُ الجَهْمِيَّةِ الَّذِين اختلَفوا في الكتابِ وجعلُوه عِضِينَ.
ومَعلومٌ أنَّ الكلامَ له نِسْبتانِ: نسبةٌ إلى به، ونِسبةٌ إلى المتكَلِّمِ فيه، فهو يتفاضَلُ باعتبارِ النِّسْبَتَيْنِ، وباعتبارِ نفْسِه أيضًا، مِثْلُ الكلامِ الخبَريِّ له نِسبتانِ نِسبةٌ إلى المتكلِّمِ المُخْبِرِ، ونِسبةٌ إلى المُخْبَرِ عنه المتكَلَّمِ فيه فـ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} و {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ} كِلاهما كلامُ اللَّهِ، وهما مُشْترِكانِ مِن هذه الجِهةِ، لكنَّهما مُتَفاضلانِ مِن جِهةِ المتكلَّمِ فيه المُخْبَرِ عنه، فهذه كلامُ اللَّهِ وخَبَرُه الَّذِي يُخْبِرُ به عن نفْسِه وصِفَتُه الَّتِي يصِفُ بها نفْسَه وكلامُه الَّذِي يتكلَّمُ به عن نفْسِه، وهذه كلامُ اللَّهِ الَّذِي يتكلَّمُ به عن بعضِ خَلْقِه ويُخْبِرُ به عنه، ويَصِفُ به حالَه، وهما في هذه الجِهةِ مُتفاضِلانِ بِحَسبِ المعنى المقصودِ بالكَلامَيْنِ. أَلاَ تَرَى أنَّ المخلوقَ يتكلَّمُ بكلامٍ هو كلامُه.
لكِنَّ كلامَه الَّذِي يذْكُرُ به ربَّهُ أَعْظَمُ مِن كلامِه الَّذِي يذْكُرُ به بعضَ المخلوقاتِ، والجميعُ كلامُه. وقد عُلِمَ أنَّ تفاضُلَ القرآنِ وغيرُه مِن كلامِ اللَّهِ لَيْسَ باعتبارِ نِسْبَتِهِ إلى المتكلمِ فإنه سُبْحَانَهُ واحِدٌ، ولكن باعتبارِ مَعانيهِ الَّتِي يُتَكلَّمُ بها، وباعتبارِ ألفاظهِ المُبَيِّنةِ لِمَعانِيه. فإذا كانت {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} تَعْدِلُ ثُلُثَ القرآنِ لم يَلزَمْ مِن ذلك أنَّها أفضلُ مِن الفاتحةِ، ولا أنها يُكْتَفَى بِتِلَاوَتِها ثلاثَ مرَّاتٍ، عن تلاوةِ القرآنِ، بلْ قد كَرِهَ السَّلَفُ أنْ تُقْرَأَ إِذَا قُرِئَ القرآنُ كلُّه إلا مرَّةً واحدةً كما ثبتَتْ في المُصْحَفِ، فإنَّ القرآنَ يُقْرَأُ كما كُتِبَ في المصحفِ لا يُزادُ على ذلك ولا يُنْقَصُ منه. ولكنْ إذا قُرِئَتْ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} مُفْرَدَةً تُقْرَأُ ثلاثَ مرَّاتٍ وأكثرَ مِن ذلك، ومَن قرَأَها فله مِن الأجرِ ما يَعْدِلُ ثُلُثَ أجْرِ القرآنِ. لكنَّ عَدْلَ الشَّيْءِ بالفتحِ قد يكونُ مِن غيرِ جِنْسِه، والثَّوابُ أجناسٌ مختلِفةٌ، كما أنَّ الأموالَ أجناسٌ مختلِفةٌ مِن مَطْعومٍ، ومَشْروبٍ، ومَلْبوسٍ، ومَسْكونٍ، ونَقْدٍ، وغيرِ ذلك.
وإذا مَلَكَ الرَّجُلُ مِن أجناسِ المالِ ما يَعْدِلُ ألْفَ دينارٍ مَثَلًا لم يَلْزمْ مِن ذلك أنْ يَسْتغنِيَ عن سائرِ أجناسِ المالِ. بلْ إذا كان عنده مالٌ وهو طعامٌ فهو مُحتاجٌ إلى لِباسٍ ومَسْكَنٍ وغيرِ ذلك. وكذلك إذا كان مِن جِنْسٍ غيرِ النَّقْدِ فهو مُحتاجٌ إلى غيرِه. وإنْ لم يكن معه إلا النَّقْدُ فهو مُحتاجٌ إلى جميعِ الأنواعِ الَّتِي يُحتاجُ إلى أنواعِها ومنافِعِها.
فالقرآنُ يَحتاجُ النَّاسُ إلى ما فيه مِن الأمرِ والنَّهْيِ والقَصصِ، وإنْ كان التَّوْحِيدُ أَعْظمَ مِن ذلك. وإذا احتاجَ الإنسانُ إلى معرفةِ ما أُمِرَ به وما نُهِيَ عنه مِن الأفعالِ، أوِ احتاجَ إلى ما يُؤْمَرُ به ويَعْتَبِرُ به مِن القَصَصِ والوَعْدِ والوعيدِ لم يَسُدَّ غيرُه مَسَدَّهُ، فلا يَسُدُّ التَّوْحِيدُ مَسَدَّ هذا، ولا يَسُدُّ القَصصُ مَسَدَّ الأمرِ والنهيِ، ولا الأمرُ والنهيُ مَسَدَّ القَصصِ. بلْ كُلُّ ما أنزلَ اللَّهُ يَنْتفِعُ به النَّاسُ ويَحتاجُونَ إليه، فإذا قَرأَ الإنسانُ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} حَصَلَ له ثوابٌ بقَدْرِ ثوابِ ثُلُثِ القرآنِ، لكنْ لا يجِبُ أنْ يكونَ الثَّوابُ مِن جنسِ الثَّوابِ الحاصِلِ ببَقِيَّةِ القرآنِ بلْ قد يَحتاجُ إلى جِنْسِ الثَّوابِ الحاصِلِ بالأمرِ والنَّهْيِ والقَصصِ، فلا تَسُدُّ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} مَسَدَّ ذلك ولا تقومُ مَقامَه. فلهذا لو لم يَقرأْ إلا {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} فإنه وإنْ حصَلَ له أجرٌ عظيمٌ لكنَّ جِنْسَ الأجرِ الَّذِي يحصُلُ بقراءةِ غيرِها لا يحصُلُ له بقراءتِها، بل يَبقَى فقيرًا مُحتاجًا إلى ما يتِمُّ به إيمانُه مِن معرفةِ الأمرِ والنَّهْيِ والوَعْدِ والوعيدِ.