فهرس الكتاب
ولو قام بالواجِبِ عليه فالمَعارِفُ الَّتِي تحصُلُ بقراءةِ سائرِ القرآنِ لا تحصُلُ بمُجَرِّدِ قراءةِ هذه السُّورَةِ، فيكونُ مَن قرأَ القرآنَ كلَّه أفْضَلَ ممن قرَأها ثلاثَ مراتٍ مِن هذه الجِهةِ لتَنَوُّعِ الثوابِ، وإنْ كان قارئُ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} ثلاثًا يحصُلُ له ثوابٌ بقَدْرِ ذلك الثوابِ، لكنَّهُ جِنْسٌ واحدٌ لَيْسَ فيه الأنواعُ الَّتِي يَحتاجُ إليها العبدُ.
قولُه تَعَالَى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} يعني هو الواحدُ الأَحدُ الَّذِي لا نَظِيرَ له، ولا وَزِيرَ، ولا نَدِيدَ، ولا شَبيهَ، ولا عَدِيلَ. ولا يُطْلَقُ هذا اللَّفْظُ على أَحدٍ في الإثباتِ إلا عَزَّ وَجَلَّ؛ لأنَّه الكامِلُ في جميعِ صِفَاتِه وأفعالِه، وقَالَ ابنُ القيِّمِ: قولُه {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} توحيدٌ منه لنَفْسِه، وأمْرٌ للمخاطَبِ بتوحيدِه. فإذا قَالَ العبدُ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} كان قد وَصَفَ اللَّهَ بما وصَفَ به نفْسَه، وأَتَى بلفظةِ (قُلْ) تحقيقًا لهذا المعنى، وأنَّه مُبَلِّغٌ مَحْضٌ، قائِلٌ لِمَا أُمِرَ بقَوْلِه اهـ. اللَّهُ الصَّمدُ. تنوَّعَتْ عِباراتُ السَّلَفِ في معنى الصَّمَدِ، وتقارَبَتْ في المعنى، فقِيلَ: هو السَّيِّدُ الَّذِي كمُلَ في سُؤْدُدِه، والشَّريفُ الَّذِي كَمُلَ في شَرَفِه، والعظيمُ الَّذِي كمُلَ في عظمَتِه، والحليمُ الَّذِي كمُلَ في حِلْمِه، والعليمُ الَّذِي كمُلَ في عِلْمِه، والحكيمُ الَّذِي كمُلَ في حِكْمَتِه. وهو الَّذِي قد كمُلَ في كُلِّ أنواعِ الشَّرَفِ والسُّؤْدُدِ، وهو اللَّهُ سُبْحَانَهُ هذه صفَتُه لا تنبغي إلَّا له. لَيْسَ كمِثْلِه شيءٌ، ولَيْسَ له كُفُؤٌ سبحانَ اللَّهِ الواحدِ القَهَّارِ. وقِيلَ الصَّمَدُ الَّذِي قد انتهى سُؤْدُدُه. والصَّمدُ الحيُّ القَيُّومُ الَّذِي لا زَوالَ له. والصَّمدُ الَّذِي لم يَخْرُجْ منه شيءٌ ولا يُطْعَمُ. والصَّمدُ الَّذِي لا جَوْفَ له. والصَّمدُ نورٌ يَتَلألأُ.
قَالَ الشَّيْخُ: والاسمُ الصَّمدُ فيه للسَّلَفِ أقوالٌ متعدِّدةٌ قد يُظَنُّ أنَّها مختلِفةٌ، ولَيْسَ كذلك، بل كلُّها صوابٌ. والمشهورُ منها قَوْلانِ (أحدُهما) : أنَّ الصَّمَدَ هو الَّذِي لا جَوْفَ له. (والثَّاني) : أنه السَّيِّدُ الَّذِي يُصْمَدُ إليه في الحوائجِ، والأَوَّلُ هو قولُ أَكثرِ السَّلَفِ مِن الصَّحَابَةِ والتَّابِعِينَ وطائفةٍ من أهلِ اللُّغَةِ. والثَّاني قولُ طائفةٍ من السَّلَفِ والخلَفِ وجمهورِ اللُّغَوِيِّينَ.
(( والاشْتِقاقُ يشهَدُ للقولين جميعًا ) )، قولِ مَن قَالَ: إنَّ الصَّمَدَ الَّذِي لا جَوْفَ له. وقولِ مَن قَالَ: إنه السَّيِّدُ، وهو على الأَوَّلِ أَدَلُّ، فإنَّ الأَوَّلَ أَصْلٌ للثَّاني، ولفظُ الصَّمَدِ يُقالُ على ما لا جَوْفَ له في اللُّغَةِ.
(( والمقصُودُ أنَّ لفظَ الأَحدِ لم يُوصَفْ به شيءٌ مِن الأعيانِ إلَّا اللَّهُ وحدَه ) )، وإنَّما يُسْتَعملُ في غيرِ اللَّهِ في النَّفْيِ. قَالَ أهلُ اللُّغَةِ: تقولُ لا أَحَدَ في الدَّارِ، ولا تَقُلْ فيها أَحَدٌ، ولهذا لم يَجِئْ في القرآنِ إلا في غيرِ المُوجَبِ كقولِه تَعَالَى: {فَمَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ} . وكقولِه: {لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ} ، وقوله: {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ} . وفي الإضافةِ {فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ} . و {جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ} . وأمَّا الصَّمدُ فقدِ استعملَه أهلُ اللُّغَةِ في حَقِّ المخلوقينَ كما تقدَّمَ. فلم يقُلْ: اللَّهُ صَمَدٌ، بل قَالَ: اللَّهُ الصَّمَدُ.
فَبَيَّنَ أنَّه المُسْتَحِقُ لأنْ يكونَ هو الصَّمدُ دُونَ ما سِواه فإنه المُسْتَوْجِبُ لِغايَتِه على الكمالِ، والمخلوقُ وإنْ كان صَمَدًا مِن بعضِ الوجوهِ، فإنَّ حقيقةَ الصَّمَدِيَّةِ مُنْتَفِيَةٌ عنه، فإنه يَقْبَلُ التَّفَرُّقَ والتَّجزِئةَ. .
وهو أيضًا مُحتاجٌ إلى غيرِه، فإنَّ كُلَّ ما سِوى اللَّهِ مُحتاجٌ إليه مِن كُلِّ وجهٍ، فلَيْسَ أَحَدٌ يَصْمُدُ إليه كُلُّ شيءٍ ولا يَصْمُدُ هو إلى شيءٍ إلَّا اللَّهُ، ولَيْسَ في المخلوقاتِ إلا ما يَقْبَلُ أنْ يَتَجَزَّأَ ويَتَفَرَّقَ ويَنْقَسِمَ ويَنْفَصِلَ بعضُه مِن بعضٍ.
واللَّهُ سُبْحَانَهُ هو الصَّمَدُ الَّذِي لا يَجوزُ عليه شيءٌ مِن ذلك بل حقيقةُ الصَّمَدِيَّةِ وكمالُها له وحْدَهُ واجِبةٌ لازِمةٌ لا يُمْكِنُ عَدَمُ صمَدِيَّتِه بوجهٍ مِن الوجوهِ، كما لا يمْكنُ تَثْنِيَةُ أحَدِيَّتِه بوجهٍ مِن الوُجوهِ. فهو أحدٌ لا يُماثِلُه شيءٌ مِن الأشياءِ بوجهٍ مِن