فهرس الكتاب
أنْ لا يكونَ له مُماثِلٌ في شيءٍ منها، واسمُهُ الصَّمَدُ يتضمَّنُ إثباتَ جميعِ صِفَاتِ الكمالِ، فتضمَّنَ ذلك إثباتَ جميعِ صِفَاتِ الكمالِ، ونفْيَ جميعِ صِفَاتِ النقصِ، فالسُّورَةُ تضمَّنَتْ كُلَّ ما يجِبُ نَفْيُه عن اللَّهِ، وتضمَّنَتْ أيضًا كُلَّ ما يجِبُ إثباتُه مِن وَجْهَيْنِ مِن اسمِه (الصَّمَدُ) ومِن جِهةِ أنَّ ما نُفِيَ عنه مِن الأُصولِ والفُروعِ والنُّظَراءِ مُسْتَلْزِمٌ ثُبوتَ صِفَاتِ الكمالِ أيضًا. فإنَّ كُلَّ ما يُمْدَحُ به الرَّبُّ مِن النَّفيِ فلا بُدَّ أنْ يتضمَّنَ ثُبوتًا، بل وكذلك كُلُّ ما يُمْدَحُ به شيءٌ مِن الموجوداتِ مِن النَّفيِ، فلا بُدَّ أنْ يتضَمَّنَ ثُبوتًا؛ وإلَّا فالنَّفْيُ المَحْضُ معناه عَدَمُ مَحْضٍ، والعَدَمُ المَحْضُ لَيْسَ بشيءٍ فَضْلًا عن أنْ يكونَ صفةَ كمالٍ.
وفي الصَّحيحِ عن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قَالَ:"قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ، وَمَا يَنْبَغِي لَهُ ذَلِكَ، وَشَتَمنِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، فَأَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ لَنْ يُعِيدَنِي كَمَا بَدَأَنِي وَلَيْسَ أَوَّلُ الْخَلْقِ بِأَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ إِعَادَتِهِ، وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ: اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا وَأَنَا الْأَحَدُ الصَّمَدُ لَمْ أَلِدْ، وَلَمْ أُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لِي كُفُوًا أَحَدٌ".
ومَاَ وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ فِي أَعْظَمِ آيَةٍ في كِتَابِ اللهِ، حَيْثُ يَقُولُ: {اللهُ لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا في الأرْضِ مَنْ ذَا الَّذي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيْطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاواتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤودُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ العَلِيُّ العَظِيْمُ} ولهذا كان مَنْ قَرَأَ هذه الآيةَ في ليلةٍ لم يَزَلْ عليه مِن اللَّهِ حافِظٌ ولا يَقْرَبُه شيطانٌ حَتَّى يُصبِحَ.
رَوى مسلمٌ في"صحيحِه"، عَنْ أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سألَه:"أيُّ آيةٍ في كتابِ اللَّهِ أَعْظمُ؟"قَالَ: اللَّهُ ورسولُه أَعْلمُ. فردَّدَها مِرارًا، ثم قَالَ أُبَيٌّ: آيةُ الكُرسيِّ. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"لِيَهْنِكَ الْعِلْمُ أَبَا الْمُنْذِرِ". ورواه أحمدُ وغيرُه، وفيه"وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ: إِنَّ لَهَا لِسَانًا وَشَفَتَيْنِ تُقَدِّسُ الْمَلِكَ عِنْدَ سَاقِ الْعَرْشِ". (( وقد صَحَّ الحديثُ عن رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنها أَعظمُ آيةٍ في كتابِ اللَّهِ) ، وعن أسماءَ بنتِ يزيدَ، قالتْ: سمعتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقولُ في هاتَيْنِ الآيتَيْنِ: {اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} إنَّ فيهما اسْمَ اللَّهِ الأَعْظمَ. رواه أحمدُ وأبو داودَ. والحيُّ القيُّومُ. اسمانِ مِن أسماءِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، والحياةُ والقَيُّومِيَّةُ صفتانِ مِن صِفَاتِ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ لا يُماثِلُه فيهما حياةُ أحدٍ وقَيُّومِيَّتِه، وكان عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يقرَؤُها (( القَيَّامُ ) )، قَالَ ابنُ الأثيرِ في النهايةِ: في حديثِ الدُّعَاءِ لَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ قَيَّامُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ. وفي روايةٍ (( قَيِّمُ ) )وفي أُخرى (( قَيُّومُ ) )وهي مِن أبْنِيَةِ المُبالَغةِ، وهي مِن صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى. ومعناها: القائمُ بأمورِ الخَلْقِ، ومُدَبِّرُ العالَمِ في جميعِ أحوالِه. وأصلُها مِن الواوِ"قَيْوَام"و"قَيْوَم"و"قَيْوُوم"بوزن فَيْعال وفَيْعِل وفَيْعُول اهـ.
والقَيُّوم أبلَغُ مِن القَيَّامِ؛ لأنَّ الواوَ أقْوى مِن الألِفِ، ويُفيدُ قيامَه بنَفْسِه باتِّفاقِ المفسِّرينَ وأهلِ اللُّغَةِ، وهو معلومٌ بالضَّرُورَةِ، وهل تُفيدُ إقامَتُه لغيرِه وقيامُهُ عليه؟ فيه قَوْلانِ؛ أصحُّهما: أنه يُفيدُ ذلك، وهي تُفيدُ دوامَ قِيامِه وكُلَّ قيامِه؛ لِما فيه مِن المُبَالَغةِ. فهو سُبْحَانَهُ لا يَزُولُ؛ ولا يأْفُلُ، فإنَّ الآفِلَ قد زالَ قطعًا؛ أيْ: لا يَغيبُ، ولا ينقُصُ، ولا يَفنَى؛ ولا يَعدَمُ، بل هو الدَّائمُ البَاقِي، الَّذِي لم يَزَلْ ولا يَزَالُ موصوفًا بصِفاتِ الكمالِ، واقتِرانُه بالحيِّ يستلْزِمُ سائرَ صِفَاتِ الكمالِ؛ ويدلُّ على بَقائِها ودَوامِها، وانتِفاءِ النَّقْصِ والعَدَمِ عنها، أزلًا وأبدًا، ولهذا كان قولُه: {اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} أعظمَ آيةٍ في القرآنِ. كما ثَبَتَ ذلك في الصَّحيحِ عن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فعلَى هذيْنِ الاسمَيْنِ مَدارُ الأسماءِ الحُسنى كلِّها، وإليها مَرِجعُ معانيها، فإنَّ الحياةَ مُسْتلزِمَةٌ لجَميعِ صِفَاتِ الكمالِ، ولا يتخلَّفُ عنها صِفَةٌ منها إلا لضَعْفِ الحياةِ، فإذا كانتْ حياتُه