فهرس الكتاب
تَعَالَى أكْمَلَ حياةٍ، وأتَمَّهَا استلزَم إثباتُها إثباتَ كُلِّ كمالٍ يُضادُّ نفيُه كمالَ الحياةِ. وأمَّا"القَيُّومُ"فهو متضمِّنٌ كمالَ غِناهُ وكَمالَ قُدْرتِه، فإنه القائمُ بنفْسِه فلا يَحتاجُ إلى مَن يُقِيمُه بوجهٍ مِن الوجوهِ، وهذا مِن كمالِ غِناهُ بنفْسِه عما سِواهُ، وهو المُقيمُ لغيرِه، فلا قِيامَ لغيرِه إلا بإقامَتِه، وهذا مِن كمالِ قُدْرتِه وعِزَّتِه. فانْتَظَم هذانِ الاسْمانِ صِفَاتَ الكمالِ، والغِنَى التَّامِّ، والقُدرةِ التَّامَّةِ، فكأنَّ المُسْتغِيثَ بهما مُسْتَغيثٌ بكُلِّ اسمٍ مِن أسماءِ الرَّبِّ تَعَالَى، وبكُلِّ صفةٍ مِن صِفَاتِه، فما أوْلى الاستغاثةِ بهذيْنِ الاسمَيْنِ أنْ يكونا في مَظِنَّةِ تَفْريجِ الكُرُباتِ، وإغاثةِ اللَّهَفاتِ، وإنالةِ الطَّلَباتِ )) .
فإنَّ صفةَ الحياةِ متضمِّنَةٌ لجميعِ صِفَاتِ الكمالِ مستلزِمةٌ لها، وصفةُ القيُّومِيَّةِ متضمِّنةٌ لجميعِ صِفَاتِ الأفعالِ، ولهذا كان اسمُ اللَّهِ الأعظمُ الَّذِي إذا دُعِيَ به أجابَ: وإذا سُئلَ به أَعْطَى هو اسمُ الحيِّ القَيُّومِ، والحياةُ التَّامَّةُ تُضادُّ جميعَ الأسقامِ والآلامِ.
ولهذا لمَّا كمُلَتْ حياةُ أهلِ الجَنَّةِ لم يلْحَقْهُم هَمٌّ، ولا غَمٌّ، ولا حَزَنٌ، ولا شيءٌ مِن الآفاتِ، ونُقصانُ الحياةِ يضُرُّ بالأفعالِ، ويُنافِي القيُّومِيَّةَ، فكَمالُ القيُّومِيَّةِ لكَمالِ الحياةِ، فالحيُّ المُطْلَقُ التَّامُّ لا يَفُوتُه صفةُ كمالٍ البتَّةَ، والقيُّومُ لا يَتَعَذَّرُ عليه فِعْلُ مُمْكنٍ البتَّةَ. . والمقصودُ أنَّ لاسْمِ الحيِّ القيومِ تأثيرًا خاصًّا في إجابةِ الدعواتِ وكشْفِ الكُرُباتِ. وفي"السُّنَنِ"و"صحيحِ"أبي حاتم وابنِ حِبَّانَ مرفوعًا:"اسمُ اللَّهِ الأعظمُ في هاتيْنِ الآيتيْنِ {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَّا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} وفاتِحةِ آلِ عِمْرانَ: {آلم * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} "قَالَ التِّرْمِذيُّ: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وفي"السُّنَنِ"و"صحيحِ"ابنِ حِبَّانَ أيضًا مِن حديثِ أَنَسٍ: أنَّ رجُلًا دعا فَقَالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أسألُكَ بأنَّ لكَ الحمدَ لا إلهَ إلا أنتَ المَنَّانُ بديعُ السَّمَوَاتِ والأرضِ يا ذا الجَلالِ والإكرامِ يا حيُّ يا قَيُّومُ. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"لقد دعا اللَّهَ باسمِه الأعظمِ الَّذِي إذا دُعِيَ به أجابَ؛ وإذا سُئِلَ به أعْطى". ولهذا كان النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا اجتهَدَ في الدُّعَاءِ قَالَ: (يا حيُّ يا قَيُّومُ) .
{لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ} السِّنَةُ: الوَسَنُ والنُّعاسُ، ولهذا قَالَ: ولا نَوْمٌ، لأنه أقْوى مِن السِّنَةِ. وفي الصَّحيحِ عن أبي مُوسَى قَالَ: قام فِينا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأربعِ كلماتٍ، فَقَالَ:"إنَّ اللَّهَ لا ينامُ، ولا ينبغي أنْ ينامَ، يَخفِضُ القِسطَ ويرفَعُه، يُرفَعُ إليه عَمَلُ اللَّيلِ قبلَ النَّهَارِ، وعمَلُ النَّهَارِ قبلَ اللَّيلِ، حِجابُه النورُ، لو كشَفَه لأحرَقَتْ سُبُحاتُ وجههِ ما انتهَى إليه بصَرُه مِن خَلْقِه". ونفْيُ أخْذِ السِّنَةِ والنَّومِ مستلْزِمٌ لكمالِ حياتِه وقيُّومِيَّتِه، فإنَّ النَّوْمَ يُنافي القيُّوميَّةَ، والنَّوْمُ أخو الموتِ. ولهذا كانَ أهلُ الجَنَّةِ لا يَنامونَ.
{مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} . فنفْيُ الشَّفَاعَةِ بِدُونِ إذْنِه مستلْزِمٌ لكَمالِ مُلْكِه إذْ كُلُّ مَن شَفَعَ إليه شافِعٌ بدُونِ إذْنِه فقَبِلَ شفاعَتَه كان مُنْفَعِلًا عن ذلك الشَّافِعِ. فقد أثَّرَتْ شفاعتُه فيه، فصيَّرَتْهُ فاعِلًا بعد أنْ لم يكُنْ، وكان ذلك الشَّافِعُ شريكًا للمشفوعِ إليه في ذلك الأمرِ المطلوبِ بالشَّفَاعَةِ. إذ كانت بدُونِ إذْنِه لا سِيَّما والمخلوقُ إذا شُفِعَ إليه بغيرِ إذْنِه فقَبِلَ الشَّفَاعَةَ فإنما يَقْبَلُها لرغْبةٍ أو لرهْبةٍ، إمَّا مِن الشَّافعِ، أو مْنْ غيرِه، وإلَّا فلو كانت داعيَتُه مِن تلقاءِ نفْسِه تامَّةً مَعَ القُدرةِ لم يَحْتَجْ إلى شفاعةٍ. واللَّهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عن ذلك كلِّه، كما قَالَ في الحديثِ الإلهيِّ:"يا عبادِي، إنكم لن تَبْلُغوا ضُرِّي فتَضُرُّوني، ولن تَبْلُغوا نفْعي فتنفَعوني". ولهذا كان النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يأمرُ أصحابَه بالشَّفَاعَةِ إليه، فكان إذا أتاه طالِبُ حاجةٍ يقولُ: اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا، ويقضِي اللَّهُ على لسانِ نبِيِّه بما شاءَ. أخْرَجاه في الصَّحيحَيْنِ.