الصفحة 78 من 204

وقوْلُه: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ولا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ} فيه إحاطةُ عِلمِ اللَّهِ وشُمولِه وإحاطتُه بالماضي والحاضرِ والمستقبَلِ.

وَبَيَّنَ أنَّ العِبادَ لا يَعْلَمون مِن عِلمِه إلا ما عَلَّمَهُم إيَّاه، كما قالتِ الملائكةُ: {لاَ عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا} . وكانَ في هذا النَّفْيِ إثباتُ أنَّ العِبادَ لا يَعْلَمونَ إلا ما علَّمَهُم إيَّاه. فأثبَتَ أنه الَّذِي علَّمَهم، لا يَنالون العِلمَ إلا منه، فإنه الَّذِي {خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ} و {عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} .

فالمعنَى: أنه لا يَطَّلِعُ أَحدٌ مِن عِلمِ اللَّهِ على شيءٍ إلا بما أعْلَمَه اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وأطْلَعَه عليه، ويَحتمِلُ أنْ يكونَ المرادُ: لا يطَّلِعُون على شيءٍ مِن عِلمِ ذاتِه وصفاتِه إلا بما أطْلَعَهمُ اللَّهُ عليه كقوله: {وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} ، {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ} . الكُرْسِيُّ موضِعُ قدَمَيِ الرَّحْمَنِ جَلَّ جَلالُه، والعَرْشُ لا يَقْدِرُ قَدْرَه إلا اللَّهُ. هذا هو المعروفُ عن السَّلَفِ، قَالَ الدَّارِمِيُّ: هذا الَّذِي عرَفْناه عن ابنِ عباسٍ صحيحًا مشهورًا، وأَنْكَرَ هو وغيرُه قولَ مَن قَالَ: كُرْسِيُّه عِلمُه.

وقولُه: {وَلاَ يُؤدُهُ حِفْظُهُمَا} لِكَمالِ قُدْرَتِه وتَمامِها، بخلافِ المخلوقِ القادرِ إذا كان يَقْدِرُ على الشَّيْءِ بنوعِ كُلْفةٍ ومشَقَّةٍ. فإنَّ هذا نقصٌ في قُدْرَتِه، وعيبٌ في قُوَّتِه.

{وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} قَرَنَ اللَّهُ بين هذيْنِ الاسمَيْنِ الدَّالَّيْنِ على عُلُوِّه وعَظَمَتِه في آخِرِ آيةِ الكُرْسِيِّ، وفي سُورَةِ الشُّورَى، وفي سُورَةِ الرعْدِ، وفي سُورَةِ سبأٍ في قولِه: {مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} ففي آيةِ الكرسيِّ ذَكَرَ الحياةَ الَّتِي هي أصلُ جميعِ الصِّفَاتِ، وذَكَرَ معها قيُّوميَّتَه المقتضيةَ لِدَوامِهِ وبَقائِه، وانتفاءِ الآفاتِ جميعِها عنه مِن النَّوْمِ والسِّنَةِ والعَجْزِ وغيرِها، ثم ذكَرَ كَمالَ مُلْكِه، ثم عقَّبَه بذِكْرِ وَحدانيَّتِه في مُلْكِه وأنه لا يَشْفعُ عنده أَحدٌ إلا بإذْنِه، ثم ذَكَرَ سِعَةَ كرسِيِّه مُنَبِّهًا به على سِعَتِه سُبْحَانَهُ وعظَمَتِه وعُلُّوِه. وذلك تَوْطِئةٌ بين يَدَيْ عُلُّوِه وعظَمَتِه، ثم أخبَرَ عن كمَالِ اقتدارِه وحِفْظِه للعالَمِ العُلْويِّ والسُّفْلِيِّ من غيرِ اكتِراثٍ ولا مشقَّةٍ ولا تعَبٍ؛ ثم ختَمَ الآيةَ بهذيْنِ الاسمَيْنِ الجليلَيْنِ الدَّالَّيْن على ذاتِه وعظمِتِه في نفْسِه. فقد تضمَّنَتْ إثباتَ صِفَاتِ الكمالِ ونفْيَ النقصِ عن اللَّهِ تقدَّسَ وتنزَّهَ عن كُلِّ عيبٍ ونقصٍ.

وورَدَ في فَضْلِها أحاديثُ: منها ما رواه البُخاريُّ في"صحيحِه"عن أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: وَكَّلَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بحِفظِ زكاةِ رمضانَ، فأتاني آتٍ فجعَلَ يحْثُو مِن الطَّعامِ فأخذْتُه وقلتُ لأرفَعَنَّكَ إلى رَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: دعْنِي فإِّني مُحتاجٌ وعلَيَّ عيالٌ ولي حاجةٌ شديدةٌ.

قال: فخلَّيْتُ عنه فأصبحتُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"يَا أَبَا هُرَيْرَةَ مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ الْبَارِحَةَ؟"قَالَ: قلتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ شَكَا حاجةً شديدةً وعِيالًا، فرَحِمْتُه فخلَّيْتُ سبيلَه، قَالَ:"أَمَا إِنَّهُ قَدْ كذَبَكَ وَسَيَعُودُ". فرصَدْتُه، فَجَاءَ يحثُو مِن الطَّعامِ فعَلَ ذلك ثلاثَ ليالٍ، كُلُّ ذلك والرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقولُ:"أَمَا إِنَّهُ قَدْ كذَبَكَ وَسَيَعُودُ"، فلمَّا كان في الثَّالثةِ قلتُ: لأرفْعَنَّكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهذا آخِرُ ثلاثِ مَرَّاتٍ تزعُمُ أنكَ لا تعودُ ثم تعودُ فَقَالَ: دَعْني أُعَلِّمْكَ كلماتٍ ينفَعُك اللَّهُ بها؟ فقلتُ: وما هِي؟ قال: إذا أَوَيْتَ إلى فِراشِكَ فاقرأْ آيةَ الكُرسيِّ: {اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} حَتَّى ختَمَ الآيةَ. فإنه لنْ يزالَ عليكَ مِن اللَّهِ حافِظٌ، ولا يقرَبُكَ شيطانٌ حَتَّى تُصبِحَ. وقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"أَمَا إِنَّهُ صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ، تَعْلَمُ مَنْ تُخَاطِبُ مُنْذُ ثَلاثِ لَيَالٍ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟"قلتُ: لا. قَالَ:"ذَاكَ شَيطَانٌ". وتَقدَّمَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت