فهرس الكتاب
أنها أفضلُ آيةٍ في كتابِ اللَّهِ. كمَا أنَّ سُورَةَ الفاتحةِ أَفْضَلُ سُوَرِ القرآنِ. والَّذِي قد صَحَّ عن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه فَضَّلَ مِن السورِ سُورَةَ الفاتحةِ )) ، وقَالَ: إنه لم يَنْزِلْ في التَّوراةِ، ولا في الإنجيلِ، ولا في القرآنِ مِثْلُها. والأحكامُ الشَّرْعِيَّةُ تدلُّ على ذلك. وفَضَّلَ مِن الآياتِ آيةَ الكُرسيِّ، ولَيْسَ في القرآنِ آيةٌ واحدةٌ تضمَّنَتْ ما تضمَّنَتْه آيةُ الكُرْسيِّ، وإنما ذَكَرَ اللَّهُ في أوَّلِ سُورَةِ الحديدِ وآخِرِ سُورَةِ الحشرِ عِدَّةَ آياتٍ لا آيةً واحدةً.
* إحاطة الله بالمخلوقات *
وقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: {هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ والبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيْمٌ} .
في هذه الآيةِ إثباتُ هذه الأسماءِ الأربعةِ لِلَّهِ، وإثباتُ معانِيها حقيقةً على ما يَلِيقُ بجَلالِ اللَّهِ وعَظَمَتِه، وكذلك إثباتُ العِلمِ له سُبْحَانَهُ.
وعُطِفَ بالواوِ مَعَ أنها دالَّةٌ على مُسمًّى واحدٍ وموصوفٍ واحدٍ (( قِيلَ لأنَّه لمَّا كانتْ هذه الألفاظُ دالَّةً على معانٍ متباينةٍ، وأنَّ الكمالَ في الاتصافِ بها على تبايُنِها أَتَى بحرفِ العطفِ الدَّالِّ على التَّغايُرِ بين المعطوفاتِ إيذانًا بأنَّ هذه المَعانِيَ مَعَ تبايُنِها، فهي ثابتةٌ للموصوفِ بها، ووَجْهٌ آخَرُ أحسَنُ منه أنَّ الواوَ تقتضِي تحقيقَ الوصفِ المتقدِّمِ وتقريرَه، فيكونُ الكلامُ متضمِّنًا لنوعٍ من التَّأكيدِ، ومزيدٍ من التَّقريرِ. فمثلًا إذا كان لرجُلٍ صِفَاتٌ أربعٌ: عالِمٌ، وجَوادٌ، وشُجاعٌ، وغَنِيٌّ، وكان المخاطَبُ لا يَعلَمُ ذلك، ولا يَقْرَبُه، ويَعْجَبُ مِن اجتماعِ هذه الصِّفَاتِ في رجُلٍ، فإذا قُلْتَ: زَيْدٌ عالِمٌ، وكأنَّ ذِهْنَه استبعدَ ذلك فتقولُ: وجَوادٌ، أيْ وهو مَعَ ذلك جَوادٌ، فإذا قدَّرْتَ استِبْعادَه لذلك قُلْتَ: وشجاعٌ أيْ: وهو مَعَ ذلك شجاعٌ، وغَنِيٌّ، فيكونُ في الْعَطفِ مَزيدُ تقريرٍ، وتوكيدٍ؛ لا يحصُلُ بدُونِهِ تَدْرَأُ به تَوَهُّمَ الإنكارِ.
إذا عرَفْتَ هذا، فالوَهْمُ قد يَعْتَرِيه إنكارٌ لاجتماعِ هذه المُقابِلاتِ في موصوفٍ واحدٍ. فإذا قِيلَ: هو الأوَّلُ، ربما سَرَى الوَهْمُ إلى أنَّ كوْنَه أوَّلًا يقتضي أن يكونَ الآخِرُ غيرَهُ؛ لأنَّ الأوَّليةَ والآخِريَّةَ مِن المُتَضايِفاتِ، وكذلك الظَّاهِرُ والباطِنُ، إذا قِيلَ: هو ظاهِرٌ ربما سَرَى الوَهْمُ إلى الباطنِ مُقابِلَه فقُطِعَ هذا الوهْمُ بحرفِ العطفِ الدَّالِّ على أنَّ الموصوفَ بالأوليةِ هو الموصوفُ بالآخِريةِ، فكأنه قِيلَ: هو الأوَّلُ، وهو الآخِرُ، وهو الظَّاهِرُ، وهو الباطِنُ لا سِواه. فتأَمَّلْ ذلك فإنه مِن لطيفِ العربيةِ ودقيقِها.
وبابُ هذه المعرِفَةِ، والتَّعبُّدُ هو: معرفةُ إحاطةِ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ بالعالَمِ، وعَظَمَتِه، وأنَّ العوالِمَ كلَّها في قبْضَتِه، وأنَّ السَّمَاواتِ السَّبْعَ والأرَضينَ السَّبْعَ في يَدِهِ كخَرْدَلةٍ في يَدِ العبدِ. قَالَ تَعَالَى: {وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ} وقَالَ: {وَاللَّهُ مِن وَرَائِهِمْ مُّحِيطٌ} ولهذا يَقْرِنُ سُبْحَانَهُ بين هذَيْنِ الاسمَيْنِ الدَّالَّيْنِ على هذيْنِ المعنيَيْنِ: اسمِ العُلُوِّ الدَّالِّ على أنه الظَّاهِرُ؛ وأنه لا شيءَ فَوْقَه؛ واسمِ العظَمَةِ الدَّالِّ على الإحاطةِ، وأنه لا شيءَ دُونه؛ كما قَالَ تَعَالَى: {وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} وقَالَ تَعَالَى: {وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} وقَالَ: {وَللَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} وهو تَبارَك وتَعَالَى كما أنه العالِي على خَلْقِه بِذاتِه فلَيْسَ فوْقَه شيءٌ، فهو الباطِنُ بذاتِه، فلَيْسَ دُونه شيءٌ، بل ظهَرَ على كلِّ شيءٍ فكان فوْقَه؛ وبطَنَ فكان أقْرَبَ إلى كلِّ شيءٍ من نفْسِه؛ وهو مُحِيطٌ به؛ حَيْثُ لا يُحِيطُ الشَّيْءَ بنفْسِه، وكلُّ شيءٍ في قبْضتِه؛ ولَيْسَ شيءٌ في قبْضةِ نفْسِه، فهذا قُربُ الإحاطةِ العامةِ، وهذا قُربٌ غيرُ قُربِ المُحِبِّ مِن حبِيبِه. هذا لونٌ وهذا لونٌ. فمدارُ هذه الأسماءِ