فهرس الكتاب
الأربعةِ على الإحاطةِ، وهي إحاطتانِ: زمانيَّةٌ ومكانيَّةٌ. فأَحاطَتْ أَوَّليتُه وآخِريَّتُه بالقَبْلِ والبَعْدِ، فكُلُّ سابِقٍ انتَهى إلى أوَّليَّتِه، وكلُّ آخِرٍ انْتَهَى إلى آخِريتِه، فأحاطتْ أوَّليتُه وآخِريتُه بالأوائلِ والأواخِرِ، وأحاطتْ ظاهِريتُه وباطِنيتُه بكلِّ ظاهِرٍ وباطِنٍ، فما مِن ظاهِرٍ إلا اللَّهُ فوقَه، وما مِن باطنٍ إلا واللَّهُ دُونه، وما مِن أولٍ إلا واللَّهُ قبلَه، وما مِن آخِرٍ إلا واللَّهُ بعده، فالأوَّلُ قِدَمُه، والآخِرُ دوامُه وبقاؤُه، والظَّاهِرُ عُلُوُّه وعظمَتُه، والباطِنُ قُرْبُه ودُنُوُّه.
فهذه الأسماءُ الأربعةُ تشتمِلُ على أركانِ التَّوْحِيدِ؛ فهو الأوَّلُ في آخِريتِه؛ والآخِرُ في أوَّليتِه، والظَّاهِرُ في بُطونِه، والباطِنُ في ظُهورِه؛ لم يزَلْ أوَّلًا وآخِرًا، وظاهِرًا وباطِنًا.
والعِلْمُ بثُبوتِ هذيْنِ الوصفيْنِ (أيْ: الأَولُ والآخِرُ) مستَقِرٌّ في الفِطرةِ، فإنَّ الموجوداتِ لا بُدَّ أنْ تنتهِيَ إلى واجبِ الوجودِ لِذاتِه قطٍعًا للتسلْسُلِ؛ فأنتَ تُشاهِدُ حدوثَ الحيوانِ والنباتِ والمعادنِ وحوادثِ الجَوِّ كالسحابِ والمطرِ، وغيرِ ذلك، وهذه الحوادثُ وغيرُها لَيْسَتْ ممتنِعةً، فإنَّ الممتَنِعَ لا يُوجَدُ، ولا واجِبةُ الوجودِ بنفْسِها؛ فإنَّ واجِبَ الوجودِ بنفْسِه لا يَقبَلُ العدَمَ؛ وهذه كانت معدومةً ثم وُجِدَتْ. فعَدَمُها ينفِي وُجودَها؛ ووُجودُها ينفِي امتِناعَها، وما كانَ قابِلًا للوجودِ والعدَمِ لم يكُنْ وُجودُه بنفْسِه كما قَالَ تَعَالَى {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ} .
وَقَدْ أدْخَلَ المتكلِّمونَ في أسماءِ اللَّهِ تَعَالَى: القديمَ، ولَيْسَ هو مِن أسماءِ اللَّهِ تَعَالَى الحُسنى، فإنَّ القديمَ في لغةِ العربِ الَّتِي نَزَلَ بها القرآنُ هو المتقدِّمُ على غيرِه، فيُقال: هذا قديمٌ للعَتِيقِ، وهذا حديثٌ للجَديدِ، ولم يُستعمَلْ هذا الاسمُ إلا في المتقدِّمِ على غيرِه لا فيما يسبِقُه عدَمٌ، كما قَالَ تَعَالَى: {حَتَّى عَادَ كَالعُرجُونِ الْقَدِيمِ} والعُرْجُونُ القديمُ الَّذِي يبقَى إلى حينِ وجودِ العُرْجُونِ الثَّاني، فإذا وُجِدَ الحديثُ قِيلَ للأَولِ قديمٌ، قَالَ تَعَالَى: {وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ} أيْ: مُتقدِّمٌ في الزمانِ، وقَالَ: {أَفَرَأَيْتُمْ مَّا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ} فالأقدَمُ مبالَغةٌ في القديمِ، ومنه القولُ القديمُ والجديدُ للشَّافِعِيِّ، وقَالَ تَعَالَى: {يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ} أي يتقدَّمُهم، ويُستعمَلُ منه الفِعلُ لازمًا ومُتعدِّيًا، كما يُقالُ: أخَذَني ما قَدُمَ وما حَدُثَ ويُقالُ: هذا قَدَمُ هذا وهو يَقْدُمُه، ومنه سُمِّيَتِ القَدَمُ قَدَمًا، لأنها تَقْدُمُ بقِيَّةَ بَدَنِ الإنسانِ، وأمَّا إدخالُ (( القديمِ ) )في أسماءِ اللَّهِ تَعَالَى فهو مشهورٌ عندَ أكثرِ أهلِ الكلامِ، وقد أَنْكَرَ ذلك كثيرٌ مِن السَّلَفِ والخلَفِ منهم ابنُ حَزْمٍ، ولا رَيْبَ أنَّه إذا كان مُستعْمَلًا في نفْسِ التَّقدُّمِ، فإنَّه يقدُمُ على الحوادثِ كلِّها، فهو أَحقُّ بالتَّقدُّمِ مِن غيرِه. لكنَّ أسماءَ اللَّهِ تَعَالَى هي الأسماءُ الحُسنى الَّتِي تدُلُّ على خُصوصِ ما يُمْدَحُ به، والتَّقدُّمُ في اللُّغَةِ مُطْلَقٌ لا يختصُّ بالتَّقدُّمِ على الحوادثِ كلِّها، فلا يكونُ مِن الأسماءِ الحُسنَى، وجاءَ الشَّرعُ باسمِه (الأَوَّلِ) وهو أخصُّ مِن القديمِ؛ لأنه يُشْعِرُ بأنَّ ما بعده آيِلٌ إليه وتابِعٌ له، بخِلافِ القديمِ، واللَّهُ تَعَالَى له الأسماءُ الحُسنى. وقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الحَيِّ الَّذي لاَ يَمُوتُ} في هذه الآيةِ إثباتُ صفةِ الحياةِ لِلَّهِ. والحياةُ هي أجمعُ صِفَاتِ الكمالِ، وأصْلُها، قَالَ ابنُ القيِّمِ، وأما الرُّسُلُ وأَتْباعُهم فقالوا: إنَّ اللَّهَ حيٌّ وله حياةٌ. ولَيْسَ كمِثْلِه شيءٌ في حياتِه اهـ.
وذَكَرَ في هذه الآيةِ نفْيَ الموتِ لكمالِ الحياةِ وتمامِها.
* إثبات صفة العلم الله *