فهرس الكتاب
وَقَوْلُهُ: {وهُوَ الحَكِيْمُ الخَبِيْرُ * يَعْلَمُ مَا يَلِجُ في الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْها وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيْها} ، {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ويَعْلَمُ مَا فِي البَرِّ وَالبَحْرِ ومَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها ولاَ حَبَّةٍ في ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبينٍ} ،وقولُه: {وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى ولاَ تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ} ، وقَوْلُهُ: {لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيْرٌ وأَنَّ اللهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} .
في هذه الآيةِ إثباتُ وصْفِ اللَّهِ بالعِلمِ، وعِلمُه سُبْحَانَهُ شامِلٌ لكُلِّ شيءٍ، ومُحيطٌ به فيَعلَمُ ما كان، وما يكونُ، وما لم يكُنْ لو كان كَيْفَ يكونُ، كما قَالَ تَعَالَى: {لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا ولأَوْضَعُوا خِلاَلَكُمْ} ، وقولُه: {وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ} ، وقَالَ: {وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَلَيْتَنَا نُرَدُّ} الآيةَ، والحكيمُ الخبيرُ اسمانِ وصِفتانِ لِلَّهِ جلَّ وعَلا. فالحكيمُ هو الَّذِي يضَعُ الأشياءَ في مواضِعِها. وهو سُبْحَانَهُ حكيمٌ في أقوالِه وأفعالِه. وفي شَرْعِه ودِينِه. وفي قضائِه وقدَرِه. والخبيرُ: أخصُّ مِن العليمِ، وهو العليمُ بدقائقِ الأمورِ وبواطِنِها، واللَّهُ سُبْحَانَهُ لا تَخفَى عليه خافيةٌ، ومَفاتِحُ الغيبِ هي المذكورةُ في حديثِ ابنِ عُمَرَ في"الصَّحيحَيْنِ"أنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
"مَفَاتِحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ لاَ يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ: ثُمَّ قَرَأَ هذه الآيةَ: {إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ} ".
والعِلمُ صفةٌ ذاتيَّةٌ لازمةٌ لِلَّهِ تَعَالَى لا يخْلُو منها في وقْتٍ مِن الأوقاتِ، ولا يُتَصَوَّرُ انفِكاكُ ذاتِ اللَّهِ عنها، وقد أَنْكَرَ غُلاةُ القدريَّةِ عِلْمَ اللَّهِ القديمَ، وأنه يَعلَمُ الأشياءَ قَبْلَ وُقوعِها.
وقد اشْتَدَّ إنكارُ السَّلفِ عليهم، وقالوا: نَاظِرُوهم بالعِلمِ، فإنْ أَقَرُّوا به خُصِمُوا، وإنْ جَحَدُوه كَفَروا. وقَالَ الإمامُ أحمدُ في ردِّه على الجَهْمِيَّةِ والزَّنادِقةِ: فإنْ قَالَ الجهميُّ: لَيْسَ له عِلمٌ كَفَرَ، وإنْ قَالَ: لِلَّهِ عِلمٌ مُحْدَثٌ كَفَرَ، حَيْثُ زَعَمَ أنَّ اللَّهَ قد كان في وقتٍ مِن الأوقاتِ لا يَعلَمُ حَتَّى أَحْدَثَ له عِلمًا فعَلِمَ. فإنْ قَالَ: لِلَّهِ عِلْمٌ ولَيْسَ مَخْلوقًا ولا مُحْدثًا رَجَعَ عن قولِه كلِّه وقَالَ بقَوْلِ أهلِ السُّنَّةِ.
وقَالَ الإمامُ عبدُ العزيزِ المَكيُّ في كتابِ"الحياةِ"الَّذِي حَكَى فيه مُنَاظَرَته لِبِشْرٍ المِرِّيسِيِّ عَن عِلمِه تَعَالَى: وبِشْرٌ يقولُ: لا يجهلُ، ولا يَعْتَرِفُ أنَّ اللَّهَ عالِمٌ بِعِلْمٍ. فَقَالَ الإمامُ عبدُ العزيزِ: نفْيُ الجهْلِ لا يكونُ صفةَ مَدْحٍ. فإنَّ هذه الأُسْطوانةَ لا تَجْهَلُ، وقد مدحَ اللَّهُ الأنبياءَ والملائكةَ والمؤمنينَ بالعِلمِ، لا بنَفْيِ الجهْلِ، ومَن نفَى الجهْلَ لم يُثْبِتِ العِلمَ، وعلى الخَلْقِ أن يُثْبتوا ما أَثبتَه اللَّهُ لنفْسِه، ويَنْفوا عنه ما نفَى ويُمْسِكوا عمَّا أمْسَكَ عنه.
والدَّلِيلُ العَقليُّ على عِلمِه تَعَالَى: أنه يَستحيلُ إيجادُه الأشياءَ مَعَ الجهْلِ، ولأنَّ إيجادَه الأشياءَ بإرادَتِه، والإرادةُ تستلْزِمُ تَصَوُّرَ المُرادِ، وتَصَوُّرُ المرادِ هو العِلمُ بالمرادِ، فكان الإيجادُ مستلْزِمًا للعِلمِ، ولأنَّ المخلوقاتِ فيها مِن الإحكامِ والإتقانِ ما يستلْزِمُ عِلمَ الفاعِلِ لها؛ لأنَّ الفِعلَ المُحْكَمَ المُتْقَنَ يمتنِعُ صُدورُه عن غيرِ عِلمٍ، ولأنَّ مِن المخلوقاتِ ما هو عالِمٌ، والعِلمُ صفةُ كمالٍ، ويمتنِعُ أن لا يكونَ الخالِقُ عالِمًا. وهذا له طريقانِ: