فهرس الكتاب
(أحدُهما) : أنْ يُقالَ: نحن نَعلَمُ بالضَّرُورَةِ أنَّ الخالِقَ أَكْملُ مِن المخلوقِ، وأنَّ الواجِبَ أَكْملُ مِن المُمْكنِ، ونَعلَمُ، أنْ لو فَرَضْنا شيئَيْنِ أحدُهما عالِمٌ، والآخَرُ غيرُ عالِمٍ كان العالِمُ أَكْمَلَ. فلو لم يكُنِ الخالِقُ عالِمًا لَزِمَ أنْ يكونَ المُمْكنُ أَكْملَ منه، وهو ممتنِعٌ.
(الثَّاني) : أنْ يُقالَ: كلُّ عِلمٍ في المُمْكناتِ الَّتِي هي المخلوقاتُ فهو منه، ومِن المُمْتنِعِ أنْ يكونَ فاعِلُ الكمالِ ومُبْدِعُه عارِيًا منه، بل هو أحَقُّ به. اللَّهُ تَعَالَى له المَثَلُ الأعلى، ولا يَسْتَوي هو والمَخْلوقُ، لا في قِياسٍ تمثيلِيٍّ، ولا في قِياسٍ شُمُولِيٍّ، بل كُلُّ ما ثَبَتَ للمَخْلوقِ مِن كمالٍ فالخالقُ به أحَقُّ، وكُلُّ نقصٍ تنزَّهَ عنه مَخْلوقٌ ما، فَتَنَزُّهُ الخالِقِ عنه أَوْلى. وكثيرٌ مِن الفلاسفةِ يُنكِرونَ عِلمَ اللَّهِ بالجزئياتِ.
فالخِلافُ في هذا الأصلِ مَعَ فِرْقَتَيْنِ:
إحداهما: أعداءُ الرُّسُلِ كُلِّهم، وهمُ الَّذِين يَنْفُونَ عِلمَه بالجزئيَّاتِ. وحاصِلُ قولِهم: أنه لا يَعلَمُ مَوْجُودًا البتَّةَّ. فإنَّ كُلَّ مَوجودٍ جزئيٌّ مُعَيَّنٌ. فإذا لم يَعلَمِ الجزئيَّاتِ لم يكُنْ عالِمًا بشيءٍ مِن العالَمِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ.
والفِرقةُ الثَّانيةُ: غُلاةُ القدَريةِ الَّذِين اتَّفَقَ السَّلفُ على كُفْرِهم، وحَكَمُوا بقَتْلِهم، الَّذِين يقولونَ: لا يَعلَمُ أعمالَ العِبادِ حَتَّى يَعْمَلوها، ولم يَعْلَمْها قَبْلَ ذلك ولا كَتَبَها، ولا قَدَّرَها، فَضْلًا عن أنْ يكونَ شاءها وكَوَّنَها. وقولُ هَؤُلاَءِ مَعلومُ البُطْلانِ بالضَّرُورَةِ مِن أديانِ جميعِ المُرسَلِينَ، وكُتُبِ اللَّهِ المُنزَّلةِ، وكلامُ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَمٍلوءٌ بتكذِيبِهم، وإبْطالِ قولِهم، وإثباتِ عُمومِ عِلمِه، الَّذِي لا يُشارِكُه فيه خَلْقُه، ولا يُحيطونَ بشيءٍ مِن عِلمِه إلا بما شاءَ أنْ يُطْلِعَهم عليه، ويُعْلِمَهم به، وما أخْفاه عنهم ولم يُطْلِعْهم عليه لا نِسْبَةَ لِما عَرَفُوه إليه إلا دُونَ نِسْبةِ قَطْرةٍ واحدةٍ إلى البحارِ كُلِّها.
وقَوْلُهُ: {إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو القُوَّةِ المَتْيِنُ} . الرَّزَّاقُ: كثيرُ الرِّزْقِ واسِعُه. كما تدلُّ عليه صيغةُ المبالَغةِ، وكُلُّ ما في الكونِ مِن رِزْقٍ فهو مِن اللَّهِ واقِعٌ بمشيئتِه وقُدْرَتِه، وسواءٌ في ذلكَ الرِّزْقُ الحَلالُ وغيرُهُ. كما قَالَ الشَّيْخُ السفارِينِيُّ في عقيدتِه:
وَالرَّزْقُ ما يَنْفَعُ مِنْ حَلالِ ... أَوْ ضِدُّهُ فَحُلَّ عَنِ الْمُحَالِ
لأنَّهُ رَازِقُ كُلِّ الْخَلْقِ ... وَلَيْسَ مَخْلُوقٌ بِغَيْرِ رِزْقِ
فالرزَّاقُ اسمُه تَعَالَى ووصفُه، والقويُّ شديدُ القُوَّةِ (( فعُلِمَ أنَّ القويَّ مِن أسمائِه، ومعناه المَوصوفُ بالقُوَّةِ، فلولا ثُبوتُ القُوَّةِ لم يُسَمَّ قَوِيًّا ) ).
والمَتينُ البالِغُ في القُوَّةِ والقُدْرةِ نهايَتَهُما. قَالَ ابنُ الأثيرِ: الشَّدِيدُ القويُّ الَّذِي لا يَلْحَقُه في أفعالِه مَشقَّةُ ولا كُلْفَةٌ ولا تعَبٌ، والمَتانةُ: الشِّدَّةُ والقُوَّةُ، فمِن حَيْثُ أنه بالِغُ القُوَّةِ تامُّها قويٌّ، ومِن حَيْثُ أنه شديدُ القُوَّةِ مَتينٌ اهـ.
ولِكَمالِ حياتِه سُبْحَانَهُ كان قَوِيًّا مَتِينًا، فإنه سُبْحَانَهُ حيٌّ حقيقةً. وحياتُه أَكْملُ الحياةِ وأتمُّها، وهي حياةٌ تستلْزِمُ جميعَ صِفَاتِ الكمالِ، ونفيَ أضْدادِها مِن جميعِ الوجوهِ، ومِن لوازمِ الحياةِ الفِعلُ الاختياريُّ. فإنَّ كُلَّ حَيٍّ فَعَّالٌ.