الصفحة 83 من 204

وصُدورُ الفِعلِ عن الحيِّ بحسْبِ كَمالِ حياتِه ونَقْصِها، وكُلُّ مَن كانتٍ حياتُه أَكْملَ مِن غيرِه، كان فِعلُه أقْوى وأَكْملُ، وكذلك قُدْرتُه، ولذلك كان الرَّبُّ سُبْحَانَهُ على كُلِّ شيءٍ قديرٌ، وهو فعَّالٌ لِما يُريدُ. وقد ذَكَرَ البُخاريُّ في كتابٍ:"خَلْقُ أفعالِ العِبادِ"عن نُعَيْمِ بنِ حمَّادٍ أنَّه قَالَ: الحيُّ هو الفعَّالُ، وكُلُّ حيٍّ فعَّالٌ، ولا فَرْقَ بين الحيِّ والميِّتِ إلا بالفِعلِ والشُّعورِ، وإذا كانتِ الحياةُ مستلْزِمَةً للفِعلِ، فالفِعلُ الَّذِي لا يَعقِلُ النَّاسُ سِواه هو الفِعلُ الاختياريُّ الإراديُّ الحاصِلُ بقُدرةِ الفاعلِ وإرادَته ومَشِيئَتِه. . . وكَوْنُ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ حيًّا فاعِلًا مُخْتارًا مُرِيدًا. ممَّا اتَّفَقَتْ عليه الرُّسُلُ والكُتُبُ، ودَلَّ عليه العَقلُ والفِطرةُ، وشهِدَتْ به الموجوداتُ، ناطِقُها وصامِتُها، جَمَادُها وحيوانُها، عُلْويُّها وسُفْليُّها، فمَنْ أَنْكَرَ فِعلَ الرَّبِّ الواقعِ بمشيئَتِه واختيارِه وفِعلِه، فقد جحَدَ رَبَّهُ وفاطِرَه، وأَنْكَرَ أَنْ يكونَ للعالَمِ رَبٌّ.

* ذكْرُ سمْعِ اللهِ وبصرِهِ *

وقَوْلُهُ: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهُوَ السَّمِيْعُ البَصِيْرُ} ، وقَوْلُهُ: {إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيْعًا بَصِيْرًا} .

مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى الذَّاتيَّةِ: السَّمْعُ والبصَرُ، والسَّميعُ البَصيرُ اسمانِ مِن أسمائِه تَعَالَى، وهو تَعَالَى له سمعٌ يَسمَعُ به، وبصَرٌ يُبْصرُ به حقيقةً، على ما يَلِيقُ بجَلالِه.

وقولُه سُبْحَانَهُ: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} أحسَنُ ما قِيلَ في الكافِ هنا: أنها صِلَةٌ. فيكونُ"مِثْلَهُ"خَبَرَ"لَيْسَ شيءٌ"وهذا وجهٌ قويٌّ حسَنٌ تَعرِفُ العربُ معناه في لُغَتِها، ولا يَخفَى عنها إذا خُوطِبَتْ به. وقِيلَ: إنه مِن بابِ قولِهم: مِثْلُكَ لا يَفعلُ كذا. أيْ أنتَ لا تَفعلُه، وأتى بمِثْلٍ للمبالَغةِ. أيْ لَيْسَ كمِثْلِه مِثْلٌ. لو فُرِضَ المِثْلُ فَكَيْفَ: ولا مِثْلَ له؟ والأَولُ أَوْلى فقوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} إنما سَبَقَ لإثباتِ الصِّفَاتِ وعظَمَتِها، لا لنَفْيِها. كما قَالَ عثمانُ بنُ سعيدٍ الدَّارِميُّ في قولِه: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} قَالَ معناه: هو أحسَنُ الأشياءِ وأجمَلُها. وقالتِ الجَهْمِيَّةُ معناه: لَيْسَ هناك شيءٌ. وقَالَ ابنُ القيِّمِ قولُه: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} إنما قُصِدَ به نفْيُ أنْ يكونَ معه شريكٌ أو معبودٌ يستحِقُ العِبادةَ والتَّعظيمَ، كما يَفعلُه المشبِّهونَ والمُشْرِكونَ، ولم يُقْصَدْ به نفيُ صِفَاتِ كمالهِ وعُلُوِّه على خَلْقِه، وتكلُّمِه بكُتُبِه، وتكلِيمِه لرسُلِه، ورؤيةِ المؤمنين له جهرةً بأبْصارِهم كما ترى الشَّمْسَ والقمرَ في الصَّحْوِ اهـ.

وعن أبي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ هذه الآيةَ: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا} فوَضَعَ إبهامَه على أُذُنِه، والَّتِي تَلِيها على عَيْنِه، رواه أبو داودَ، وإنَّما وضَعَ إبْهامَهُ على أُذُنِه وعَيْنِه رَفْعًا لِتَوَهُّمِ مُتَوَهِّمٍ أنَّ السمَعَ والبَصَرَ غيرُ العَيْنَيْنِ المَعلومَتَيْنِ. وأمثالُ ذلك كثيرةٌ في الكِتابِ والسُّنَّةِ.

وقد عابَ اللَّهُ المُشْرِكينَ في عِبادتِهم ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ، فَقَالَ: {أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا} وأَنْكَرَ الخليلُ عليه السَّلامُ على أبيه وقَوْمِه عِبادةَ أصنامٍ لا تَسْمعُ ولا تُبْصِرُ فَقَالَ: {يأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يَبْصِرُ وَلاَ يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا} فقد ثَبَتَ وصْفُ اللَّهِ بالسَّمْعِ والبَصَرِ، وهما صِفَتا كَمالٍ، وعَدَمُهما نقصٌ يِتَنَزَّهُ اللَّهُ عنه. وله المَثَلُ الأعلى في السَّمَاواتِ والأرْضِ. وفي ذلك إبطالٌ لقوْلِ الجَهْمِيَّةِ والمعتزلةِ ونحوِهم مِن مُعَطِّلَةِ الصِّفَاتِ الَّذِين يَنْفُونَ عن اللَّهِ سمْعَه وبَصَرَهُ. وفي قوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} رَدُّ لقوْلِ المُشَبِّهَةِ، فإنه تَعالَى لا يُماثِلُه شيءٌ مِن مَخْلُوقاتِه في ذاتِه ولا في صِفاتِه ولا في أفْعالِه، وقولُه هو السميعُ البصيرُ ردٌّ لقوْلِ المُعَطِّلةِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت