الصفحة 84 من 204

قوْلُه: {إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ} أيْ: نِعْمَ الشَّيْءُ الَّذِي يَعِظُكُمْ به ويأمُرُكُم به مِن أداءِ الأماناتِ والحُكْمِ بالعَدْلِ بين النَّاسِ، وغيرِ ذلك مِن كُلِّ ما يأْمُرُكُم به، ويُشَرِّعُه لكم.

وقَالَ البُخاريُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في صحيحِه (بابُ) وكان اللَّهُ سميعًا بَصيرًا، وروى فيه حديثَ عائشةَ قالتَّْ: الحمدُ لِلَّهِ الَّذِي وَسِعَ سَمْعُه الأصواتَ، فأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى على النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا} . وحدِيثُها أنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّ جبريلَ عليه السَّلامُ ناداني قَالَ: إنَّ اللَّهَ قد سَمِعَ قَوْلَ قوْمِكَ وما رَدُّوا عليكَ، وأحاديثُ أُخَرُ.

قَالَ ابنُ بطَّالٍ: غَرَضُ البُخاريُّ في هذا البابِ الردُّ على مَنْ قَالَ: إنَّ معنَى سميعٍ بصيرٍ عليمٍ قَالَ: ويَلْزَمُ مَن قَالَ ذلك أنْ يُسَوِّيَهُ بالأعمَى الَّذِي يَعلَمُ أنَّ السَّمَاءَ خضراءَ ولا يَراها، والأَصَمِّ الَّذِي يَعلَمُ أنَّ في النَّاسِ أصواتًا ولا يَسْمَعُها، ولا شكَّ أنَّ مَنْ سَمِعَ وأبْصَرَ وأُدْخِلَ في صفةِ الكمالِ ممَّن انفردَ بأحدِهما دُون الآخَرِ. فصَحَّ أنَّ كَوْنَهُ سميعًا بصيرًا يُفِيدُ قَدْرًا زائدًا على كَوْنِه عليمًا. وكَوْنِه سميعًا بصيرًا.

يتضمَّنُ أنه يسْمَعُ بسَمٍعٍ، ويُبْصِرُ ببَصَرٍ، كما تضمَّنَ كوْنُه عليمًا أنه يَعلَمُ بعِلمٍ. ولا فَرْقَ بين إثباتِ كوْنِه سميعًا بصيرًا، وبين كَوْنِه ذا سَمَعٍ وبَصَرٍ. قَالَ: وهذا قولُ أهلِ السُّنَّةِ قاطِبةً انتهى.

وقَالَ الْبَيْهَقِيُّ في الأسماءِ والصِّفَاتِ: السميعُ: مَن له سَمْعٌ يُدْرِكُ به المسموعاتِ. والبَصيرُ: مَن له بَصَرٌ يُدْرِكُ به المَرْئياتِ. وكُلٌّ منهما في حَقِّ الباري صفةٌ قائمةٌ بِذاتِه، وقد أفادَتِ الآيةُ وأحاديثُ البابِ الردَّ على مَن زَعَمَ أنه سميعٌُ بصيرٌ بمعنى عليمٍ، ثم ساقَ حديثَ أبي هُرَيْرَةَ الَّذِي أخْرَجَه أبو داودَ بسَنَدٍ قَويٍّ على شَرْطِ مُسْلمٍ مِن روايةِ أبي يونُسَ عن أبي هُرَيْرَةَ: رأيتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقْرَؤُها يعني قولَه تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} إلى قولِه: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا} ويضَعُ أصبعَيْه. قَالَ أبو يونُسَ: وضَعَ أبو هُرَيْرَةَ إبْهامَه على أُذُنَيْهِ والَّتِي تَلِيها على عَيْنِه. قَالَ البَيْهقِيُّ: وأرادَ بهذه الإشارةِ تحقيقَ إثباتِ السَّمْعِ والبَصَرِ لِلَّهِ ببَيانِ محَلِّهِما مِن الإنسانِ، يُريدُ أنَّ له سَمٍعًا وبَصَرًا. لا أنَّ المرادَ به العِلمَ، فلو كان كذلك لأَشارَ إلى القلْبِ لأنه محَلُّ العِلمِ، ثم ذَكَرَ شاهدًا لِحديثِ أبي هُرَيْرَةَ مِن حديثِ عقبةَ بنِ عامرٍ، سمعتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقولُ على المِنْبَرِ:"إِنَّ رَبَّنَا سَمِيعٌ بَصِيرٌ"وأَشارَ إلى عَيْنَيْهِ، وسنَدُه حسَنٌ، وفي صحيحِ مُسْلمٍ عن أبي هُرَيْرَةَ رَفَعه:"إِنَّ اللَّهَ لا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ"وفي حديثِ أبي جُرَيٍّ الهُجَيْمِيِّ رَفَعه:"أنَّ رَجُلًا مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ لَبِسَ بُرْدَتَيْنِ يَتَبَخْتَرُ فِيهمَا، فَنَظَرَ اللَّهُ إِلَيْهِ فَمَقَتَهُ"الحديثَ. وحديثُ ابنِ عُمَرَ رَفَعه"لاَ يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلاءَ"وفي الكتابِ العزيزِ (وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ) وورَدَ في السمعِ قولُ المُصلِّي: سمِعَ اللَّهُ لِمَن حَمِدَه، وسنَدُه صحيحٌ متَّفقٌ عليه بلْ مَقْطوعٌ بمَشروعيَّتِه في الصَّلاةِ.

* المشيئة والإرادة *

وقَوْلُهُ: {وَلَوْلاَ إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللهُ لا قُوَّةَ إِلَّا باللهِ} ، وقَوْلُهُ: {وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيْدُ} ، وقَوْلُهُ: {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيْمَةُ الأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيْدُ} ، وقَوْلُهُ: {فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ للإِسْلامِ ومَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّما يَصَّعَّدُ في السَّماءِ} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت