الصفحة 85 من 204

في هذه الآياتِ وما ماثَلَها إِثباتُ مشيئةِ اللَّهِ التَّامَّةِ، وأنَّ كُلَّ شيءٍ بمشيئتِهِ، وأنَّ إثباتَ المشيئةِ مِن سُنَنِ المؤمنينَ، وَإِنكارَها مِن طَريقةِ الكَفَرةِ والمشركين؛ لِقولِ المؤمنِ: {وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ} ولولا: هَلَّا، والجَنَّةُ: البسُتانُ، {قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ} حثًّا للكافِرِ على الإيمانِ.

فما شاءَ اللَّهُ كانَ، وما لم يَشَأْ لم يكُنْ، والنُّصوصُ مِن القُرآنِ والسُّنَّةِ لا تُحْصَى كَثرةً في ذلك، وقد أجْمَعَ عُلماءُ الإسلامِ وسلَفُ الأُمَّةِ وأئِمَّتُها وأهلُ السُّنَّةِ قاطِبةً على إِثباتِ مشيئةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وإرادَتَه.

والإرادةُ تكونُ شرعيةً، وتكونُ قدريةً. فقولُه: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} الإرادةُ هنا كَوْنيةٌ قدَريةٌ. وقولُه: {فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ} الآيةَ، الإرادةُ هنا كونيةٌ قدَريةٌ أيضًا.

وقولُه: {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ} الإرادةُ هنا شرعيةٌ دينيةٌ.

وقوله: {وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ} فيها أنه يُريدُ الإضلالَ (( فعُلِمَ أنه يُريدُ الإضلالَ كما يُريدُ شَرْحَ الصَّدْرِ ) )والهدايةُ نوعانِ: هدايةُ توفيقٍ وإلهامٍ: وهي المذكورةُ في قولِه: {فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ} ونحوِها، وفي قولِه: {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ} وهِدايةُ بَيانٍ وإرشادٍ، وهذه المذكورةُ في قولِه تَعَالَى: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} وقولِه: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى} أيْ بَيَّنَّا لهم وأرْشدناهُمْ ودَلَلْناهُم فلم يَهْتَدُوا.

قَالَ ابنُ عباسٍ في قولِه: {فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ} يقولُ: يُوَسِّعُ قلْبَه للتوحيدِ والإيمانِ به، قولُه:"ضَيِّقًا حَرَجًا"ضَيْقًا بفَتْحِ الضادِ وتَسْكينِ الياءِ، هكذا قرأه بعضُهم.

وقرأَه الأكثرونَ ضَيِّقًا بتشديدِ الياءِ وكَسْرِها"حَرَجًا"قُرِئَ بفَتْحِ الحَاءِ وكَسْرِ الرَّاءِ، وهو الَّذِي لا يَتَّسِعُ لشيءٍ مِن الهُدى، ولَيْسَ للخيْرِ فيه منْفَذٌ، كأنَّما يصَعَّدُ في السَّمَاءِ، مِن شدَّةِ الضِّيقِ والشُّبَهِ والشُّكوكِ. قَالَ الأوْزاعِيُّ: كَيْفَ يستطيعُ مَن جعَلَ اللَّهُ صدْرَه ضَيِّقًا أنْ يكونَ مُسْلِمًا، وقَالَ ابنُ جريرٍ: وهذا مَثَلٌ ضربَه اللَّهُ لقلْبِ هذا الكافرِ في شدَّةِ ضِيقِه عن وُصولِ الإيمانِ إليه. فمَثَلُه في امتناعِه عن قَبولِ الإيمانِ وضِيقِه عن وصولِه إليه، مَثَلُ امتناعِه عن الصُّعودِ إلى السَّمَاءِ، وعجْزِه عنه لأنه لَيْسَ في وُسْعِه وطاقتِه.

ففي ذلك إثباتُ عمومِ مشيئةِ اللَّهِ الشَّاملةِ."وقد خالَفَ الرُّسُلَ كُلَّهم مِن نفْي مشيئةِ اللَّهِ بالكُلِّيةِ، ولم يُثْبِتْ له سُبْحَانَهُ مشيئةً واختِيارًا كما يقولُه طوائفُ مِن الفلاسفةِ وَأَتْباعِهِمْ، وكذلك مَن جَوَّزَ أنْ يكونَ في الوجودِ ما لا يشاءُ، أو أنْ يشاءَ ما لا يكونُ، وهذا هو تنزيلُ المُلْحِدينَ ومَن أضَلُّ سبيلًا وأَكْفَرُ ممَّن يزعُمُ أنَّ اللَّهَ شاءَ الإيمانَ مِن الكافرِ، وأنَّ الكافِرَ شاءَ الكُفْرَ فغلبَتْ مشيئةُ الكافِرِ مشيئةَ اللَّهِ. تَعَالَى اللَّهُ عمَّا يقولُ الظَّالِمونَ عُلُواًّ كبيرًا."

وأما الإرادةُ"فطريقةُ الأئمةِ الفقهاءِ وأهلِ الحديثِ وكثيرٍ مِن أهلِ النظرِ أنَّ الإرادةَ في كتابِ اللَّهِ نوعانِ: إرادةٌ تتعلَّقُ بالأمرِ، وإرادةٌ تتعلَّقُ بالخَلْقِ فالإرادةُ المتعلِّقةُ بالأمرِ: أنْ يُريدَ مِن العبدِ فِعلَ ما أمَرَه، وأما إرادةُ الخَلْقِ فأَنْ يُريدَ ما يَفعَلُه هو. فإرادةُ الأمْرِ: هي المتضمِّنَةُ للمَحبَّةِ والرِّضا، وهي الإرادةُ الدِّينيَّةُ. والإرادةُ المتعلِّقَةُ بالخَلْقِ هي: المشيئةُ، وهِي الإرادةُ الكونيَّةُ القدَريَّةُ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت