الصفحة 86 من 204

فالأُولى كقولِه تَعَالَى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} ، وقولِه: {يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ} . إلى قولِه: {يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنْكُمْ} وقولِه: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ} الآيةَ، وقولِه: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ} .

والثَّانيةُ: كقوله تَعَالَى: {فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا} ، وقولِه: {وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ} ومِن هذا النوعِ قَوْلُ المُسْلِمِينَ"ما شاءَ اللَّهُ كان، وما لم يشَأْ لم يكُنْ"ومِن الأوَّلِ قولُهم لِمَن يَفعَلُ القبائِحَ: هذا يَفعَلُ ما لا يُريدُه اللَّهُ"وقسَّمَ الشَّيْخُ الإرادةَ أربعةَ أقسامٍ:"

الأوَّلُ: ما تعلقتْ به الإرادتانِ، وهو كُلُّ ما وقَعَ في الوجودِ مِن الأعمالِ الصَّالحةِ، فإنَّ اللَّهَ تَعَالَى أرادَها إرادةَ دِينٍ وشَرْعٍ، فأمَرَ به وأحبَّه ورَضِيَه وأرَادَه إرادَةَ كَوْنٍ فَوقَعَ. ولولا ذلك لمَا كان.

الثَّاني: ما تعلَّقَتْ به الإرادةُ الدينيَّةُ فقطْ، وهو ما أمَرَ اللَّهُ به مِن الأعمالِ الصَّالحةِ فعَصَى ذلك الكفَّارُ والفُجَّارُ، فتلك كُلُّها إرادةُ دِينٍ، وهو يُحَبُّها ويَرْضاها، وقَعَتْ أو لم تَقَعْ.

الثَّالثُ: ما تعلَّقَتْ به الإرادةُ الكونيَّةُ فقطْ؛ وهو ما قدَّرَه وشاءَه مِن الحوادثِ الَّتِي لم يأْمُرْ بها كالمباحاتِ والمعاصي، فإنه لم يأمُرْ بها ولم يَرْضَها ولم يُحِبَّها؛ إذْ هو لا يأمُرُ بالفحشاءِ {وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ} ولولا مَشِيئتُه وقُدْرَتُه وخَلْقُه لما كانت ولما وُجِدَتْ.

الرَّابعُ: مِن أقسامِ الإرادةِ الَّذِي لم تتعلَّقْ به هذه الإرادةُ، ولا هذه، فهذا ما لم يكُنْ مِن أنواعِ المباحاتِ والمعاصِي. اهـ.

* إثباتُ صفة الحبَّةِ والمودَّةِ *

وقولُه: {وأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُحْسِنينَ} ، {وأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ} ، {فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقْيِموا لَهُم إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ} ، {إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِيْنَ ويُحِبُّ المُتَطَهِّرينَ} ، {قَلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُوني يَحْبِبْكُمُ اللهُ} ، {فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ ويُحِبُّونَهُ} ، {إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذينَ يُقَاتِلُونَ في سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ} . وقوله: {وَهُوَ الغَفُورُ الوَدُودُ} .

إثباتُ صفةِ المحبَّةِ لِلَّهِ قد دَلَّ عليها الكِتابُ والسُّنَّةُ وإجماعُ سلَفِ الأُمَّةِ، مَحبَّةٌ تَليقُ بجَلالِه تَعَالَى - كما يُقال ذلك في سائرِ الصِّفَاتِ. وكذلك المَودَّةُ فهي صفةٌ لِلَّهِ، واسمُه تَعَالَى الوَدُودُ. والوُدُّ صفاءُ المَحبةِ وخالِصُها.

والحُبُّ اشتقاقُه في الأصلِ مِن الملازَمةِ والثُّبوتِ مِن قولِهم: أَحَبَّ البعيرُ فهو مُحِبٌّ، إذا بَرَكَ فلم يَثُرْ، فالمُحِبُّ مُلازِمٌ لذِكْرِ مَحبوبِه، ثابتُ القلبِ على حُبِّه مُقيمٌ عليه لا يَرُومُ عنه انتِقالًا، ولا يَبْغِي عنه تَحَوُّلًا؛ ولا زَوالًا، قد اتَّخَذَ له في سُويداءِ قَلْبِه وطَنًا وجعلَه له سَكَنًا. والحُبُّ بالضَّمِّ والكَسْرِ؛ والضَمُّ أوْلى لِوَجْهَيْنِ:

أَحدُهما: قُوَّتُه وقُوَّةُ الحُبِّ.

الثَّاني: أنَّ في الضَّمَّةِ مِن الجمْعِ ما يُوازِي ما في معنى الحُبِّ مِن جَمْعِ الهِمَّةِ والإرادةِ على المحبوبِ، ولا تُوصَفُ المحبَّةُ، ولا تُحَدُّ بِحَدٍّ أوضحَ مِن المحبَّةِ، ولا أقْرَبَ إلى الفَهْمِ مِن لفْظِها. فهي ألْطَفُ وأرَقُّ مِنْ كُلِّ ما يُعَبَّرُ به عنها، وللمَحبَّةِ مَراتِبُ:

أَوَّلُها: العِلاقةُ: وهي تعلُّقُ القلْبِ بالمحبوبِ.

الثَّانيةُ: الإرادةُ، وهي مَيْلُ القلبِ إلى محبوبِه، وطلَبُه له.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت