الصفحة 87 من 204

الثَّالثةُ: الصَّبَابةُ وهي: انصِبابُ القلبِ إليه بحَيْثُ لا يَمْلِكُه صاحِبُه كانصِبابِ الماءِ في الحُدورِ.

الرَّابعةُ: الغَرامُ، وهي الحُبُّ المُلازِمُ للقلبِ. ومنه الغريمُ لمُلازَمَتِه. ومنه: {إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا} .

الخامسةُ: المودَّةُ وهي صَفْوُ المحبَّةِ وخالِصُها ولُبُّها. قَالَ تَعَالَى: {سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا} .

السَّادسةُ: الشَّغَفُ، وهي وصولُ المحبَّةِ إلى شَغافِ القلبِ.

السَّابعةُ: العِشْقُ، وهو الحُبُّ المُفْرِطُ الَّذِي يُخافُ على صاحِبِه منه، ولكن لا يُوصَفُ بِه الرَّبُّ تَعَالَى ولا العبدُ في مَحَبَّةِ ربِّه، وإنْ كان قد أطْلَقَه بعضُهم. واختُلِفَ في سببِ المَنْعِ، فقِيلَ: عدَمُ وُرودِه في الشرْعِ، وقِيلَ غيرُ ذلك، ولعلَّ امتناعُ إطلاقِه أنَّ العِشْقَ محبةٌ مَعَ شهوةٍ.

الثَّامنةُ: التَّتَيُّمُ وهو بمعنى التَّعبُّدِ.

التَّاسعةُ: التَّعبُّدُ.

العاشرةُ: الخُلَّةُ، وهي المحبةُ الَّتِي تخلَّلَتْ رُوحَ المحِبِّ وقلبَه، وإنمَّا يُوصفُ اللَّهُ تَعَالَى مِن هذه الأنواعِ بالإرادةِ والوُدِّ، والمَحبَّةِ، والخُلَّةِ حَيْثُما وَرَد النصُّ، وقد صَحَّ عن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قَالَ:"إِنَّ اللَّهَ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خليلًا". وفي"الصَّحيحيْنِ"عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:"لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ خَلِيلًا لاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، وَلَكِنَّ صَاحِبَكُمْ خَلِيلُ اللَّهِ". وقد أنْكَرَ الجَهْمِيَّةُ والمعتزلةُ ومَن وافَقَهُم مَحَبَّةَ اللَّهِ، وقالوا: المحبَّةُ لا تكونُ إلا بين مُتَناسِبَيْنِ، وبهذه الشُّبْهةِ الفاسِدةِ ردُّوا صفةً مِن صِفَاتِ اللَّهِ الثَّابتةِ له. وما أحسَنَ ما قَالَ الإمامُ أحمدُ: لا نُزِيلُ عن اللَّهِ صفةً مِن صِفَاتِه لأجْلِ شفاعةِ المُشَنِّعينَ.

"والمناسَبةُ لفظٌ مُجْمَلٌ، فإنَّه قد يُرادُ بها التَّوالُدُ والقَرابةُ، فيُقالُ: هذا نَسيبُ فلانٍ ويُناسِبُه، إذا كان بينَهم قَرابةٌ مستَنِدَةٌ إلى الوِلادَةِ والآدَمِيَّةِ. واللَّهُ سُبْحَانَهُ وتَعَالَى مُنَزَّهٌ عن ذلك. ويُرادُ بها المماثَلةُ، فيُقالُ: هذا يُناسِبُ هذا أيْ: يُماثِلُه. واللَّهُ سُبْحَانَهُ وتَعَالَى أَحدٌ صَمَدٌ لم يَلِدْ ولم يوُلَدْ ولم يكُنْ له كُفُوًا أَحدٌ. ويُرادُ بها الموافَقةُ في معنًى مِن المَعاني، وضِدُّها المخالفةُ، والمناسَبةُ بهذا الاعتبارِ ثابتةٌ، فإنَّ أولياءَ اللَّهِ تَعَالَى يُوافِقونَه فيما يأمُرُ به فيَفْعلُونه، وفيما يُحِبُّه فيُحِبُّونَه، وفيما نهَى عنه فيَترُكونه، وفيما يُعطِيه فيُصِيبونه. واللَّهُ وِتْرٌ يُحِبُّ الوِتْرَ، جَميلٌ يحِبُّ الجَمالَ، نظيفٌ يحِبُّ النظافةَ، مُحْسِنٌ يحِبُّ المُحْسِنين، مُقْسِطٌ يحِبُّ المُقْسِطينَ إلى غيرِ ذلك مِن المعاني، فإذا أُرِيدَ بالمناسَبةِ هذا وأمثالُه، فهذه المناسَبةُ حَقٌّ. وهي مِن صِفَاتِ الكمالِ كما تقدَّمَ الإشارةُ إليه، فإنَّ مَن يحِبُّ صِفَاتِ الكمالِ أَكْملُ ممَّن لا فَرْقَ عندَه بين صِفَاتِ النقصِ والكمالِ، أو لا يحِبُّ صِفَاتِ الكمالِ. وإذا قُدِّرَ مَوجودانِ أحدُهما يحِبُّ العِلمَ والصِّدْقَ والعَدْلَ والإحسانَ ونحوَ ذلك، والآخَرُ لا فَرْقَ عندَه بينَ هذه الأمورِ وبينَ الجهْلِ والكَذِبِ والظُّلْمِ ونحوِ ذلك لا يحِبُّ هذا ولا يَبْغضُ هذا كان الَّذِي يحِبُّ تلك الأمورَ أَكْمَلُ مِن هذا".

"وهَؤُلاَءِ الَّذِين يَنْفُونَ أنَّ اللَّهَ يُحِبُّ ويحِبُّ آخَرُ، أمْرُهُم أنه لا يَبْقَى عندَهم فَرْقٌ بالنسبةِ إلى اللَّهِ بين أوليائِه وبينَ أعْدائِه، ولا بَيْنَ الإيمانِ والكُفْرِ، ولا بينَ ما أَمَرَ به، وما نَهَى عنه، ولا بين بُيُوتِه الَّتِي هي المساجِدُ، وبين الحاناتِ ومواضِعِ الشِّرْكِ".

وقَالَ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت