الصفحة 88 من 204

"والوُدُّ خالِصُ الحُبِّ وألْطَفُه وأرَقُّه، وهو مِن الحُبِّ بمَنْزلَةِ الرأفةِ والرَّحْمَةِ. قَالَ الجوهريُّ: وَدِدْتُ الرَّجُلَ أوَدُّهُ وُدًّا إذا أحبَبْتُه. والوُدُّ والوِدُّ: المَوَدَّةُ، تقولُ: بِوُدِّي أنْ يكونَ كذا. والوِدُّ: الوَدِيدُ بمعنى المَوْدودِ، والوَدُودُ المُحِبُّ. اهـ والوَدودُ مِن صِفَاتِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وتَعَالَى: أصلُه مِن المَودَّةِ."

واختُلِفَ فيه على قولَيْنِ. فقِيلَ: هو وَدودٌ بمعنى وَادٍّ كضَرُوبٍ بمعنى ضارِبٍ، وقَتُولٍ بمعنى قاتِلٍ. ونَؤمٍ بمعنى نائمٍ. ويشهَدُ لهذا القولِ أنَّ فَعُولًا في صِفَاتِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وتَعَالَى فاعِلٌ كغَفُورٍ بمعنى غافِرٍ، وشَكورٍ بمعنى شاكِرٍ، وصَبورٍ بمعنى صابِرٍ. وقِيلَ بل هو بمعنى مَوْدُودٍ، وهو الحبيبُ. وبذلك فسَّرَه البخاريُّ في"صحيحِه"، فَقَالَ: الوَدُودُ الحبيبُ. والأوَّلُ أظْهَرُ لاقْتِرانِه بالغَفورِ في قوله: {وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ} وبالرَّحِيمِ في قولِه: {إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ} . وفيه سِرٌّ لَطيفٌ وهو: أنَّه يُحِبُّ عبدَه بعدَ المغفرةِ فيَغْفِرُ له ويُحِبُّه كما قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} . فالتَّائبُ حبيبُ اللَّهِ، فالوُدُّ أصْفَى الحُبِّ وألْطَفُه"،"والتَّحقيقُ أنَّ اللَّفْظَ يدُلُّ على الأمرَيْنِ على كَوْنِه وَادًّا لأوليائِه مَوْدُودًا لهم، فأحدُهما بالوضعِ، والآخَرُ باللزومِ، فهو الحبيبُ المُحِبُّ لأوليائِه يُحِبُّهم ويحِبُّونه. وما ألْطَفَ اقترانَ اسمِ الوَدودِ بالرحيمِ وبالغَفورِ، فإنَّ الرجُلَ قد يَغْفِرُ لِمَن أساءَ إليه ولا يُحِبُّه وكذلك قد يَرْحَمُ مَن لا يُحِبُّ.

والرَّبُّ تَعَالَى يَغْفِرُ لعبدِه إذا تابَ إليه، ويَرْحمُه ويُحِبُّه مَعَ ذلك فإنَّه يُحِبُّ التَّوَّابِينَ، فإذا تابَ إليه عبدُه أحَبَّه ولو كان منه ما كان"."

وكوْنُه مَوْدودًا لَيْسَ بعجيبٍ، وإنمَّا العجيبُ جُودُه وإحسانُه، فإنَّه يتودَّدُ إلى عِبادِه كما جاءَ في الأثرِ: يا عبدي كم أتوَدَّدُ إليكَ بالنِّعَمِ وأنتَ تمْقُتُ إليَّ بالمعاصي، ولا يَزالُ مَلَكٌ كريمٌ يصعدُ إليَّ منك بعَمَلٍ سَيِّئٍ. وأيضًا فمَبدأُ الحُبِّ والوُدِّ منه لكنِ اسمُه الودودُ يَجمَعُ المعنيَيْنِ، كما قَالَ الوالِبيُّ، عن ابنِ عباسٍ: أنه الحبيبُ. وذلك أنه إذا كان يَوَدُّ عِبادَه فهو مستحِقٌّ لأنْ يَوَدُّهُ العِبادُ بالضَّرُورَةِ، فإذا قِيلَ: إنَّ الودودَ بمعنى الوادِّ لزِمَ أنْ يكونَ مَوْدودًا بخلافِ العكسِ.

فالصَّوابُ القَطْعُ بأنَّ الودودَ هو الَّذِي يَوَدُّ، وإنْ كان ذلك متضمَّنًا لأنه يستحِقُّ أنْ يُوَدَّ لَيْسَ هو بمعنى المَوْدُودِ فقطْ. ولفظُ الوِدادِ بالكَسرِ هو مِثلُ: المُوادَّةِ والتَّوادِّ، وذاك يكونُ مِن الطَّرَفَيْنِ كالتَّحابِّ. وكلُّ وُدٍّ في الوجودِ فهو مِن فِعلِه، فالَّذِي جَعَلَ الوُدَّ في القلوبِ هو أوْلى بالوُدِّ كما قَالَ ابنُ عباسٍ ومجاهِدٌ وغيرُهما في قولِه: {سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا} . قَالَ: يُحِبُّهم ويُحَبِّبُهم. وقد دَلَّ الحديثُ الَّذِي في"الصَّحيحَيْنِ"على أنَّ ما يجعلُه مِن المحبَّةِ في قلوبِ الخَلْقِ هو بعدَ أنْ يكونَ قد أحبَّه. وأمَرَ جبريلَ أنْ ينادِيَ، بأنَّ اللَّهَ يُحِبُّه، فينادي جبريلُ في السَّمَاءِ: إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فلانًا فأَحِبُّوه.

* إثبات صفة الرحمة والمغفرة *

وقَوْلُهُ: {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيْمِ * رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلِّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا} ، {وَكَانَ بِالمُؤمِنينَ رَحِيمًا} ، {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} ، {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} ، {وَهُوَ الغَفُورُ الرَّحِيْمُ} ، {فَاللهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت