فهرس الكتاب
في هذه الآياتِ إثباتُ صفَتَيِ الرَّحْمَةِ والمغفرةِ لِلَّهِ. وفيها الردُّ على الجَهْمِيَّةِ، والمعتزِلةِ ونحوِهما وقولُه: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} . قَالَ ابنُ عباسٍ: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} اسمانِ رَقيقانِ أحدُهما أرَقُّ مِن الآخَرِ- أي أوْسَعُ رحمةً.
"وأسماءُ الرَّبِّ تَعَالَى هي أسماءُ ونُعوتٌ فإنها دالَّةٌ على صِفَاتِ كمالِه، فلا تَنافِيَ فيها بين الوصفيَّةِ والعِلْميَّةِ، فالرَّحْمَنُ اسمُه تَعَالَى ووصْفُه، لا تُنافِي اسمِيَّتُه وصْفِيَّتَه، فمِن حَيْثُ هو صفةٌ جَرى تابعًا على اسمِ اللَّهِ: ومِن حَيْثُ هو اسمٌ وَرَدَ في القرآنِ غيرَ تابِعٍ، بل وُرودُ الاسمِ العَلَمِ. ولمَّا كانَ هذا الاسمُ مختَصًّا به تَعَالَى حسُنَ مَجِيئُه مُفْردًا غيرَ تابعٍ، كمَجِيءِ اسمِ اللَّهِ كذلك. وهذا لا يُنافِي دلالتَه على صفةِ الرَّحْمَنِ كاسمِ اللَّهِ، فإنَّه دَالٌّ على صفةِ الألوهيَّةِ، ولم يجيءْ قطُّ تابعًا لغيرِه بل مَتبوعًا، وهذا بخلافِ العليمِ والقديرِ والسَّميعِ والبصيرِ ونحوِها. ولهذا لا تَجِيءُ هذه مُفْرَدَةً، بل تابِعَةً، فتأَمَّلْ هذه النُّكتَةَ البديعةَ يَظْهَرْ لكَ بها أنَّ الرَّحْمَنَ اسمٌ وصِفَةٌ لا يُنافِي أحدُهما الآخَرَ، وجاءَ استِعمالُ القرآنِ بالأمْرَيْنِ جميعًا، وأمَّا الجَمْعُ بينَ الرَّحْمَنِ الرحيمِ ففيه معنًى أحسنُ مِن المعنيَيْنِ الذََّيْنِ ذَكَرَهُما، وهو أنَّ الرَّحْمَنَ دالٌّ على الصِّفَةِ القائمةِ به سُبْحَانَهُ والرحيمَ دالٌّ على تعلُّقِها بالمَرحومِ، فكان الأوَّلُ للوصْفِ، والثَّاني للفعلِ، فالأوَّلُ دالٌّ على أنَّ الرَّحْمَةَ صِفَتُه، والثَّاني دالٌّ على أنه يَرحَمُ خلْقَه برحمَتِه، وإذا أردْتَ فَهْمَ هذا فتأمَّلْ قولَه: {وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا} {إِنَّه بهُمْ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} ولم يَجِئْ قطُّ رحمنٌ بِهِمْ فعُلِمَ أنَّ {رَحْمَنٌ} هو المَوصوفُ بالرَّحْمَةِ و {رَحِيمٌ} هو الرَّاحِمُ برحمَتِه."
والكتابةُ تكونُ شرعيَّةً، وتكونُ كَوْنيَّةً، فالكتابةُ الشرعيَّةُ الأمْرِيَّةُ كقولِه تَعَالَى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} ؛ {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} والكَوْنيَّةُ القدَريَّةُ كقوله: {كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي} {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} {كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ} والكتابةُ في قوله: {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} كتابةٌ كَوْنيَّةٌ قدَريَّةٌ.
فقد كَتَبَ اللَّهُ على نفْسِه الرَّحْمَةَ تفضُّلًا منه، وإحسانًا مِن غيرِ أنْ يُوجِبَها عليه أَحدٌ، كما قِيلَ:
مَا لِلْعِبادِ عَلَيْهِ حَقٌّ وَاجِبٌ كَلَّا وَلاَ سَعْىٌ لَدَيْهِ ضَائِعُ
إِنْ عُذِّبُوا فَبِعَدْلِهِ أَوْ نُعِّمُوا فَبِفَضْلِهِ وَهْوَ الْكَرِيمُ الْوَاسِعُ
"وإذا كان مَعْقولًا مِن الإنسانِ أنْ يُوجِبَ على نفْسِه ويُحِرَّمَ، ويأمْرَها ويَنْهاها مَعَ كَوْنِه تحتَ أمْرِ غيرِه ونَهْيِه، فالآمِرُ النَّاهي الَّذِي لَيْسَ فوقَه آمِرٌ ولا ناهٍ كَيْفَ يَمتَنِعُ في حقِّه أنْ يُحَرِّمَ على نفْسِه، ويَكتُبَ على نفْسِه؟ وكتابَتُه على نفْسِه سُبْحَانَهُ تستلِزمُ إرادَته لِمَا كتَبَه ومحبَّتَه له، ورِضاه به، وتحرِيمُه على نفْسِه، يستلْزِمُ بُغْضَه لِمَا حرَّمَه وكرَاهَتَه له وإرادةَ أنْ لا يفعَلَه، فإنَّ محبَّتَه للفِعْلِ تقتضي وُقوعَه منه، وكراهَتَه لأنْ يفعَلَه تمنَعُ وقُوعَه منه، وهذا غيرُ ما يحِبُّه سُبْحَانَهُ مِن أفعالِ عِبادِه ويكرَهُه فإنَّ مَحبَّةَ ذلك منهم لا تستلْزِمُ وقوعَه، وكراهَتُه منهم لا تمنَعُ وُقوعَه. ففَرْقٌ بين فِعلِه هو سُبْحَانَهُ وبين فِعلِ عِبادِه الَّذِي يقَعُ مَعَ كراهَتِه وبُغضِه له ويتخَلَّفُ مَعَ محبَّتِه له ورِضاهُ به بخِلافِ فِعلِه هو سُبْحَانَهُ. فهذه أنواعٌ وذاك نَوْعٌ."
واعْلمَ أَنَّ النَّاسَ في هذا المَقامِ ثلاثُ طوائِفَ (فطائفةٌ) منَعَتْ أنْ يَجِبَ عليه شيءٌ أو يَحْرُمُ عليه شيءٌ بإيجابِه وتحريمِه وَهُمْ كثيرٌ مِن مُثْبِتي القَدَرِ الَّذِين رَدُّوا أقوالَ القَدَريةِ النُّفاةِ، وقابَلُوهُمْ أَعْظَمَ مقابلَةٍ نَفَوْا لأجْلِها الحُكْمَ والأسبابَ والتَّعليلَ، وأنْ يكونَ العبدُ فاعِلًا أو مُخْتارًا.