الصفحة 90 من 204

(الطَّائفةُ الثَّانيةُ) : بِآراءِ هَؤُلاَءِ أوْجَبُوا على الرَّبَّ وحَرَّمُوا أشياءَ بعُقولِهم جعلُوها شريعةً له يجِبُ عليه مُراعاتِها مِن غيرِ أنْ يُوجِبَها هو على نفْسِه ولا حرَّمَها، وأوْجَبُوا عليه مِن جِنْسِ ما يَجِبُ عليهم وحرَّمُوا عليه مِن جِنْسِ ما يحَرِّمُ عليهم، ولذلك كانوا مُشَبِّهةً في الأفعالِ، والمعتزِلةُ منهم جمَعَوا بين الباطِلَيْنِ: تعطيلِ صِفَاتِه وجَحْدِ نُعوتِ كمالِه، والتَّشبيهِ له بخلَقْه فيما أوْجبُوه عليه وحرَّمُوه فشبَّهُوا في أفعالِه؛ وعطَّلُوا في صِفَاتِ كمالِه، فجَحَدوا بعضَ ما وصَفَ به نفْسَه مِن صِفَاتِ الكمالِ، وسمَّوْه توحيدًا، وشبَّهُوه بخلْقِه فيما يحْسُنُ منهم ويقْبُحُ مِن الأفعالِ. وسَمَّوْا ذلك عدلًا، وقالوا: نحن أهلُ العَدْلِ والتَّوْحِيدِ، فعَدْلُهم إنكارُ قُدْرتِه ومشيئَتِه العامَّةِ الشَّاملَةِ الَّتِي لا يَخرُجُ عنها شيءٌ مِن الموجوداتِ ذواتِها وصفاتِها وأفْعالِها، وتوحيدُهم إلحادُهم في أسمائِه الحُسنى وتحريفُ معانيها عمَّا هي عليه، فكان توحيدُهم في الحقيقةِ تعطيلًا وعَدْلُهم شِرْكًا. وهذا مُقرَّرٌ في مَوضِعِه.

والمَقصودُ أنَّ هذه الطَّائفةَ مُشبِّهةٌ في الأفعالِ، مُعطِّلةٌ في الصِّفَاتِ وهَدى اللَّهُ (الأَمَّةَ الوَسَطَ) فلم يَقِيسُوه بخَلْقِه، ولم يُشَبِّهُوه بهم في شيءٍ مِن صِفَاتِه ولا أفعالِه، ولم يَنْفُوا ما أثْبَتَه لنفْسِه مِن ذلك، ولم يُوجِبوا عليه شيئًا، ولم يحرِّموا عليه شيئًا؛ بل أخبَرُوا عنه بما أخبَرَ عن نفْسِه، وشهِدَتْ قُلوبُهم ما في ضِمْنِ ذلك الإيجابِ والتَّحريمِ مِن الحِكَمِ والغاياتِ المحمودةِ الَّتِي يستحِقُّ عليها كمالَ الحمْدِ والثناءِ، فإنَّ العِبادَ لا يُحصُونَ ثناءً عليه، بل هو كما أثْنَى على نفْسِه، قولُه: وهو الغفورُ الرحيمُ، الغفورُ مِن أسمائِه سُبْحَانَهُ، والمغفرةُ صفَتُه.، ومعنى الغفورِ السَّاتِرُ للذَّنْبِ الماحِي له، ومنه سُمِّي المغفرةَ لسَتْرِه الرَّأسَ.

وإذا غُفِرَ الذَّنْبُ زالَتْ عُقُوبتُه، فإنَّ المغفِرةَ هي وِقايةُ شَرِّ الذَّنْبِ. ومِن النَّاسِ مَن يقولُ: الغَفْرُ السَّتْرُ، ويقولُ: إنما سُمِّيَ المغفِرةَ والغَفَّارَ لِمَا فيه مِن معنى السَّتْرِ، وتفسيرُ اسمِ الغَّفَارِ بأنه الستَّارُ، وهذا تقصيرٌ في معنى الغَفْرِ، فإنَّ المغفِرةَ معناها وِقايةُ شَرِّ الذَّنْبِ بحَيْثُ لا يُعاقَبُ على الذَّنْبِ، فمَن غُفِرَ ذنْبُه لم يُعاقَبْ عليه، وأمَّا مُجرَّدُ سَتْرِه فقد يُعاقَبُ عليه في الباطِنِ، ومَن عُوقِبَ على الذَّنْبِ باطِنًا أو ظاهِرًا فلم يُغْفَرْ له. وإنما يكونُ غُفْرانُ الذَّنْبِ إذا لم يُعَاقَبْ عليه العُقوبَةَ المستَحَقَّةَ بالذَّنْبِ.

وقد أنْكَرَ الجَهْمِيَّةُ والمعتزِلةُ ومَن تَبِعَهُم صِفَةَ الرَّحْمَةِ والمغفرةِ، وقالوا: الرَّحْمَةُ ضَعْفٌ وخَورٌ في الطَّبيعةِ وتأَلُّمٌ على المَرحومِ، وبذلك نَفَوْا صِفَةً لِلَّهِ ثابِتةً، وهذا الزعْمُ باطِلٌ مِن وُجوهٍ.

أمَّا أوَّلا: فَلأنَّ الضَّعفَ والخَوَرَ مَذْمومٌ مِن الآدمِيِّينَ، والرَّحْمَةُ ممدوحةٌ، وقد قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ} وقد نَهَى اللَّهُ عِبادهُ عن الوَهَنِ والحَزَنِ فَقَالَ تَعَالَى: {وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ} ونَدَبَهم إلى الرَّحْمَةِ. وقَالَ النَّبِيُّ في الحديثِ الصَّحيحِ:"لا تُنْزَعُ الرَّحْمَةُ إِلَّا مِنْ شَقِيٍّ". وقَالَ:"مَنْ لاَ يَرْحَمْ لاَ يُرْحَمُ". وقَالَ:"الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمُكُمْ مَنْ فِي السَّماءِ"ومُحالٌ أنْ يقولَ: لا يُنْزَعُ الضَّعفُ والخَوَرُ إلا مِن شَقِيٍّ. ولمَّا كانتِ الرَّحْمَةُ تُقارَنُ في حقِّ كثيرٍ مِن النَّاسِ الضَّعْفَ والخَوَرَ، كما في رحمةِ النساءِ ونحوِ ذلك ظَنَّ الغالِطُ أنَّها كذلك مُطْلقًا.

وأيضًا فلو قُدِّرَ أنها في حقِّ المَخْلُوقِينَ مستلْزِمَةٌ لذلك لم يجِبْ أنْ تكونَ في حقِّ اللَّهِ تَعَالَى مُستلْزِمَةً لذلك، كما أنَّ العِلمَ، والقُدْرةَ، والسَّمْعَ، والبَصَرَ، والكلامَ فِينا يستلْزِمُ مِن النقْصِ والحاجَةِ ما يجِبُ تنزيهُ اللَّهِ عنه.

وأيضًا فنحنُ نَعلَمُ بالاضطِرَارِ أنَّا إذاَ فرَضْنا مَوْجودَيْنِ: أحدُهما يَرْحَمُ غيرَه فيجْلِبُ له المنفعةَ ويَدفَعُ عنه المَضَرَّةَ، والآخَرُ قد اسْتَوَى عندَه هذا وهذا، ولَيْسَ عندَه ما يَقتضي جَلْبَ منفعةٍ ولا دَفْعَ مَضَرَّةٍ، كان الأوَّلُ أَكْمَلَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت