فهرس الكتاب
وبعضُهم تأوَّلَ الرَّحْمَةَ بمعنى إرادةِ الإحسانِ، والحقُّ إثباتُ صفةِ الرَّحْمَةِ حقيقةً على ما يَليقُ بجَلالِه تَعَالَى، كما يُقالُ في سائِرِ الصِّفَاتِ"والرَّحْمَةُ لا تنْفَكُّ عن إرادةِ الإحسانِ، فهي مستلْزِمةٌ للإحسانِ، أو إرادَتُه استلْزِامُ الخاصِّ للعامِّ. فكما يَستحِيلُ وُجودُ الخاصِّ بدُون العامِّ فكذلك الرَّحْمَةُ بدُون الإحسانِ، أو إرادتُه يَستحِيلُ وُجودُها، ومنهم مَن تأوَّلَ الرَّحْمَةَ بمعنى الثوابِ:"واللَّهُ سُبْحَانَهُ فرَّقَ بينَ رحمتِه ورِضْوانِه وثوابِه المُنْفَصِلِ فَقَالَ تَعَالَى: {يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ} فالرَّحْمَةُ والرِّضوانُ صفَتُه والجَنةُ ثَوابُه. وهذا يُبطِلُ قولَ مَن جَعَلَ الرَّحْمَةَ والرِّضوانَ ثوابًا مُنْفصِلًا مَخْلوقًا، وقولَ مَن قَالَ: هي إرادتُه الإحسانَ، فإنَّ إرادتَه الإحسانَ هي مِن لوازِمِ الرَّحْمَةِ، فإنه يَلزَمُ مِن الرَّحْمَةِ أنْ يُريدَ الإحسانَ إلى المَرحُومِ، فإذا انتْفَتْ حقيقةُ الرَّحْمَةِ انْتَفى لازِمُها، وهو إرادةُ الإحسانِ. وكذلك لفظُ اللعنةِ والغضَبِ والمَقْتِ هي أمورٌ مستلْزِمةٌ للعُقوبةِ، فإذا انتفَتْ حقائقُ تلكَ الصِّفَاتِ انتفى لازِمُها، فإنَّ ثُبوتَ لازمِ الحقيقةِ مَعَ انتفائِها مُمْتَنِعٌ، فالحقيقةُ لا تُوجَدُ مُنْفَكَّةً عن لوازِمِها. وَاعْلَمْ أنَّ الرَّحْمَةَ المُضافةَ إلى اللَّهِ نوعانِ:
أحدُهما: مُضافٌ إليه إضافةَ مَفْعولٍ إلى فاعِلِه.
والثَّاني: مُضافٌ إليه إضافةَ صفةٍ إلى الموصوفِ بها فمِن الأوَّلِ قولُه في الحديثِ الصَّحيحِ:"احْتَجَّتِ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ". (فذَكَرَ الحديثَ) وفيه:"فَقَالَ لِلْجَنَّةِ إِنَّمَا أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ"فهذه رحمةٌ مَخلوقةٌ مضافةٌ إليه إضافةَ المخلوقِ بالرَّحْمَةِ إلى الخالِقِ تَعَالَى، وسمَّاها رحمةً؛ لأنَّها خُلِقَتْ بالرَّحْمَةِ وللرَّحمةِ، وخَصَّ بها أهلَ الرَّحْمَةِ، وإنما يدْخُلُها الرحماءُ، ومنه قولُه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"خَلَقَ اللَّهُ الرَّحَمْةَ يَوْمَ خَلَقَهَا مِائَةَ رَحْمَةٍ، كُلُّ رَحْمَةٍ مِنْهَا طِبَاقُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ". ومنه قولُه تَعَالَى: {وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً} ومنه تسمِيَتُه تَعَالَى للمَطَرِ رحمةً بقوله: {وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرَى بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} وعلى هذا فلا يَمْتَنِعُ الدُّعَاءُ المشهورُ بين النَّاسِ قديمًا وحديثًا، وهو قولُ الدَّاعِي: اللَّهُمَّ اجْمَعْنَا في مُسْتَقَرِّ رحمَتِكَ؛ لِأنَّ مُرادَ الدَّاعِي بالرَّحْمَةِ الجَنةُ.
وقَالَ فِي"إبطالِ التَّنديدِ شَرْحُ كتابِ التَّوْحِيدِ": غَلِطَ بعضُ المتأخِّرينَ في تفسيرِ الرَّحْمَنِ بكمالِ الإِنْعَامِ، والرحيمِ بما دُونَ الكمالِ، وَبإرادةِ الإِنْعَامِ فَإِنَّ ذلك مَذْهَبُ أهلِ التَّأويلِ الباطِلِ مِن الجَهْمِيَّةِ المبتدعةِ. ذكَرَ معناه شيخُنا الشَّيْخُ عبدُ الرَّحْمَنِ بنُ حسنٍ حَفِيدُ المُصَنِّفِ. اهـ.
* ذكر غضب الله ورضاه *
قَوْلُهُ: {رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} ، {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيْها وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ} ، وقولُهُ: {ذَلِكَ بأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللهَ وَكَرِهُوا رَضْوَانَهُ} ، {فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ} ، وقَوْلُهُ: {وَلَكِنْ كَرِهَ اللهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ} ، وقَوْلُهُ: {كَبُرَ مَقْتًَا عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ} .
في هذه الآياتِ إثباتُ وصفِ اللَّهِ بالغَضَبِ والرِّضَا، واللَّعْنِ، والكَراهِيةِ، والأسَفِ، والمَقْتِ، وهذه كلُّها مِن صِفاتِ الأفعالِ الَّتِي يفعلهُا جَلَّ وعَلا مَتى شاءَ إذا شاءَ، فكما يُثْبِتُ أهلُ السُّنَّةِ الصِّفَاتِ الذَّاتيةَ لِلَّهِ كذلك يُثبِتون أفعالَه الاختياريةَ على ما يَلِيقُ به سُبْحَانَهُ.