الصفحة 92 من 204

"واللَّعْنُ البُعدُ عن مظانِّ الرَّحْمَةِ ومواطِنِها. قِيلَ: واللَّعِينُ والمَلعونُ مَن حقَّتْ عليه اللَّعْنةُ، أو دُعِيَ عليه بها. قَالَ أبو السَّعَاداتِ: أصْلُ اللَّعْنِ الطَّرْدُ والإبعادُ مِن اللَّهِ، ومِنَ الخَلْقِ السَّبُّ والدُّعَاءُ. قَالَ شيخُ الإسلامِ رَحِمَهُ اللَّهُ، ما معناه: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَلْعَنُ مَن استحَقَّ اللَّعْنةَ بالقولِ كما يُصلِّي على مَن استحَقَّ الصَّلاةَ مِن عبادِه. قَالَ تَعَالَى: {هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلاَئِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا * تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلاَمٌ} وقَالَ: {إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا} ، وقَالَ: {مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا} ".

وقولُه: {فَلَمَّا آسَفُونَا} : الأسَفُ مُحَرَّكٌ يُستعمَلُ بمعنى شِدَّةِ الْحُزْنِ، وبمعنى شِدَّةِ الغْضَبِ والسَّخَطِ، وهو المُرادُ في هذه الآيةِ. والانتقامُ المكافأةُ بالعُقوبَةِ وانْتِقَامُه تَعَالَى مُبالَغتُه في العقوبةِ لِمَن يشاءُ، والمُنْتَقِمُ مُفْتَعِلٌ مِن نَقَمَ يَنْقِمُ إذا بلغَتْ به الكراهةُ حَدَّ السَّخَطِ. والمَقْتُ أَشَدُّ البُغْضِ.

فدلَّتْ هذه الآياتُ وما ماثَلَها على إثباتِ رِضا اللَّهِ وغضَبِه وسَخَطِه ونحوِ ذلك."والرُّسُلُ صلواتُ اللَّهِ عليهم أَجْمعينَ إنما جاءوا بإثباتِ هذا الأصْلِ، وهو أنَّ اللَّهَ يُحِبُّ بعضَ الأمورِ المَخلوقةِ، ويرضاها، ويَسْخَطُ بعضَ الأمورِ ويَمْقُتُها، وأنَّ أعمالَ العِبادِ تُرْضِيه تارةً وتُسْخِطُه أخرى."

"ومَذْهَبُ السَّلَفِ وسائِرِ الأئمةِ إثباتُ صفةِ الغضَبِ، والرِّضَا، والعداوةِ، والولايةِ، والحُبِّ، والبُغضِ، ونحوِ ذلك مِن الصِّفَاتِ الَّتِي وَرَدَ بها الكِتابُ والسُّنَّةُ، ومَنْعُ التَّأويلِ الَّذِي يَصْرِفُها عن حقائقِها اللائقةِ باللَّهِ تَعَالَى. كما يقولون مِثْلَ ذلك في السَّمْعِ والبَصَرِ والكَلامِ وسائِرِ الصِّفَاتِ. . ولا يُقالُ: إنَّ الرِّضَا إرادةُ الإحسانِ، والغضبُ إرادةُ الانتقامِ، فإنَّ هذا نفْيٌ للصِّفَةِ. وقدِ اتَّفَقَ أهلُ السُّنَّةِ على أنَّ اللَّهَ يأمُرُ بما يحِبُّه ويرضاه، وإنْ كان لا يُريدُه ولا يَشاؤُه وينْهَى عما يَسْخَطُه ويكْرَهُه ويُبْغِضُه ويغضَبُ على فاعِلِه، وإنْ كان قد شاءه وأرادَهُ فقد يُحِبُّ عندهم ويرضى ما لا يُريدُه، ويَكْرَهُ ويَسخَطُ ويغضَبُ لِمَا أراده. ويُقالُ لمَن تأوَّلَ الغضَبَ والرِّضَا، لِمَ تأوَّلْتَ ذلك؟ فلا بد أن يقولَ: لأنَّ الغضَبَ غليانُ دمِ القلبِ والرِّضَا المَيْلُ والشهوةُ وذلك لا يَلِيقُ باللَّهِ تَعَالَى فيُقالُ له: غليانُ دمِ القلبِ في الآدميِّ أمْرٌ يَنشأُ عن صفةِ الغضَبِ. ويُقالُ له أيضًا: وكذلك الإرادةُ والمشيئةُ فينا هي: مَيْلُ الحيِّ إلى الشَّيْءِ أو إلى ما يُلائِمُه ويُناسِبُه. فالمعنى الَّذِي صرَفْتَ إليه اللَّفْظَ كالمعنى الَّذِي صرَفْتَه عنه سواءٌ، فإنْ جازَ هذا جازَ ذاك، وإنِ امتَنَعَ هذا امتنَعَ ذاكَ، فإنْ قالوا: الإرادةُ الَّتِي يُوصَفُ اللَّهُ بها مخالِفةٌ للإرادةِ الَّتِي يُوصَفُ بها العبدُ، وإنْ كان كُلٌّ منها حقيقةً! قِيلَ له: فقُلْ: إنَّ الغضَبَ والرِّضَا الَّذِي يُوصَفُ اللَّهُ به مخالِفٌ لما يُوصَفُ به العبدُ، وإنْ كان كُلٌّ منهما حقيقةً، فإذا كان ما يقولُه في الإرادةِ يُمْكنُ أنْ يُقالَ في هذه الصِّفَاتِ لم يَتعَيَّنِ التَّأويلُ بل يجِبُ تَرْكُه. . وصفاتُ اللَّهِ تَلِيقُ به وصفاتُ العبدِ تَليقُ به، بل لو قِيلَ: غضَبُ مالكٍ خَازِنِ النَّارِ وغضَبُ غيرِه مِن الملائكةِ لم يَجِبْ أنْ يكونَ مُماثِلًا لكَيْفِيَّةِ غضَبِ الآدمِيِّينَ، فغضَبُ اللَّهِ أولى. وقد نَفَى الجَهْمُ ومَن وافقَه كُلَّ ما وصَفَ اللَّهُ به نفْسَه مِن كلامِه ورضاه وغضَبِه وحُبِّه وبُغْضِه وَأَسَفِه ونحوِ ذلك، وقالوا: إنَّما هي أمورٌ مخلوقةٌ مُنْفَصِلةٌ عنه لَيْسَ هو في نفْسِه مُتَّصِفًا بشيءٍ مِن ذلك. وعَارَضَ هَؤُلاَءِ مِن الصِّفَاتيةِ ابنُ كِلابٍ ومَن وافَقَه، فقالوا: لا يُوصَفُ اللَّهُ بشيءٍ يتعَلَّقُ بمشيئَتِه وقُدْرتِه أصلًا. بل جميعُ هذه الأمورِ صِفَاتٌ لازمةٌ لِذاتِه، قديمةٌ أزَلِيَّةٌ، فلا يَرْضَى في وقْتٍ دُون وقْتٍ، ولا يغْضَبُ في وقْتٍ دُون وقْتٍ، كما قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حديثِ الشَّفَاعَةِ:"إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبْ بَعْدَهُ مِثْلَهُ"."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت