الصفحة 93 من 204

وفي"الصَّحيحَيْنِ"عن أبي سعيدٍ، عن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ:"إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُونَ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ، فَيَقُولُ: هَلْ رَضِيتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: وَمَا لَنَا لاَ نَرْضَى يَا رَبِّ وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ؟ فَيَقُولُ: أَلاَ أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِن ذَلِكَ؟ فَيَقُولُونَ: يَا رَبِّ، وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ؟! فَيَقُولُ: أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي فَلاَ أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أبدًا". فيُستدَلُّ به على أنه يُحِلُّ رِضوانَه في وقْتٍ دُون وقْتٍ، وأنه قد يُحِلُّ رِضوانَه ثم يَسْخَطُ، كما يُحِلُّ السَّخَطَ ثم يَرْضَى لكنَّ هَؤُلاَءِ أحَلَّ عليهم رِضْوانًا لا يَتَعَقَّبُه سَخَطٌ، وهُمْ قالوا: لا يتكلَّمُ إذا شاءَ، ولا يضْحَكُ إذا شاءَ، ولا يغضَبُ إذا شاءَ، ولا يرضى إذا شاءَ، بل إما أن يَجعَلُوا الرِّضَا والغضَبَ والحُبَّ والبُغْضَ هو الإرادةَ ويجْعَلُوها صِفَاتٍ أخرى. وعلى التَّقديرَيْنِ فلا يَتعلَّقُ شيءٌ مِن ذلك لا بمشيئَتِه ولا بقُدْرَتِه إذْ لو تعلَّقَتْ بذلك لكانَ مَحَلاًّ للحوادثِ! فنفى هَؤُلاَءِ الصِّفَاتِ العقليةَ الذَّاتيةَ بهذا الأصْلِ. كما نفَى أولئك الصِّفَاتِ مُطْلَقًا بقولهم: لَيْسَ مَحَلًا للأعْراضِ.

وقد يُقالُ: بل هي أفعالٌ ولا تُسَمَّى حوادِثَ. كما سُمِّيَتْ تلك صِفَاتٌ، ولم تُسَمَّ أعْراضًا، وما يزعُمُه الجَهْمِيَّةُ والمعتزِلةُ مِن أنَّ كلامَه وإرادتَه ومحبتَّه وكراهَتَه ورضاه وغضَبَه وغيرَ ذلك كُلُّ ذلك مخلوقاتٌ له منفصِلةٌ عنه هو مما أنْكَرَه السَّلَفُ عليهم وجُمهورُ الخلَفِ، بل قالوا: إنَّ هذا مِن الكُفْرِ الَّذِي يتضمَّنُ تكذيبَ الرَّسُولِ وجُحودَ ما يستحِقُّه اللَّهُ مِن صِفَاتِه، وكلامُ السَّلَفِ في رَدِّ هذا القولِ، وإطلاقِ الكُفْرِ عليه كثيرٌ منتشِرٌ، وكذلك لم يقُلِ السَّلَفُ: إنَّ غضَبَه على فرعونَ وقومِه قديمٌ، ولا أنَّ فَرَحَه بتوبةِ التَّائبِ قديمٌ، وكذلك سائرُ ما وصَفَ به نفْسَه مِن الجزاءِ لعِبادِه على الطَّاعةِ والمعصيةِ مِن رضاه وغضَبِه لم يقُلْ أَحدٌ منهم إنه قديمٌ، فإنَّ الجزاءَ لا يكونُ قبلَ العملِ، والقرآنُ صريحٌ بأنَّ أعمالَهم كانتْ سبَبًا لذلك كقولِه: {فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ} . واللَّهُ تَعَالَى إذا خَلَقَ صفةً في مَحَلٍّ كان المَحَلُّ متصِفًا بها. فإذا خَلَقَ في مَحَلٍّ عِلمًا، أو قُدرةً، أو حياةً، أو حركةً، أو لَوْنًا، أو سمْعًا، أو بَصَرًا كان ذلك المَحَلُّ هو العالِمُ به، القادِرُ المتحرِّكُ، الحيُّ، المُتَلَوِّنُ، السَّميعُ، البصيرُ. فإنَّ الرَّبَّ لا يتَّصِفُ بما يخلُقُه في مخلوقاتِه، وإنَّما يتَّصِفُّ بصفاتِه القائمةِ به. بل كُلُّ موصوفٍ لا يُوصَفُ إلا بما يَقومُ به لا بما يَقومُ بغيرِه ولم يَقُمْ به.

وأمَّا قولُ القائلِ: الغضَبُ غليانُ دمِ القلبِ بطلَبِ الانتقامِ، وبذلك ردَّ الجَهْمِيَّةُ ونحوُهم صفةَ الغضبِ، فيُقالُ أولا: لَيْسَ بصحيحٍ أنَّ الغضبَ غليانُ دمِ القلبِ في حقِّ المخلوقِينَ، بل الغضبُ قد يكونُ لدَفْعِ المُنافي قبلَ وُجودِه، فلا يكونُ هناكَ انتقامٌ أصلًا. وأيضًا فغليانُ دمِ القلبِ يقارِنُه الغضبُ لَيْسَ أنَّ مُجرَّدَ الغضبِ هو غليانُ دمِ القلبِ. كما أنَّ الحياءَ يُقارِنُ حُمرةَ الوجهِ، والْوَجَلُ يقارِنُ صُفرةَ الوجهِ، لا أنه هو، وأيضًا فلو قُدِّرَ أنَّ هذا هو حقيقةً غضَبُنا لم يَلْزَمْ أنْ يكونَ غضَبُ اللَّهِ تَعَالَى مِثْلَ غضَبِنا. كما أنَّ حقيقةَ ذاتِ اللَّهِ لَيْسَت مِثلَ ذَاتِنا. ونحنُ نَعْلَمُ بالاضطرارِ أنَّا إذا قَدَّرْنا مَوْجودَيْنِ أحدُهما عنده قُوَّةٌ يَدْفَعُ بها الفسادَ، والآخَرُ لا فَرْقَ عندَه بينَ الصَّلاحِ والفسادِ. كان الَّذِي عندَه تلك القُوَّةُ أَكْملُ، ولهذا يُذَمُّ مَن لا غِيرَةَ له على الفواحِشِ كالدَّيُّوثِ، ويُذَمُّ مَن لا حَمِيَّةَ له يَدْفَعُ بها الظُّلْمَ عن المَظلومِينَ، ويُمْدَحُ الَّذِي له غيرةٌ يَدْفَعُ بها الفواحِشَ، وحميةٌ يَدْفَعُ بها الظُّلْمَ، ويُعْلَمُ أنَّ هذا أَكْمَلُ مِن ذلك.

ولهذا وَصَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرَّبَّ بالأكْمَلِيَّةِ في ذلك، فَقَالَ في الحديثِ الصَّحيحِ:"لاَ أَحَدَ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ". وقَالَ:"أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ؟ أَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت