الصفحة 94 من 204

وقولُ القائِلِ: إنَّ هذه انفِعالاتٌ نَفْسانيَّةٌ، فيُقالُ: كلُّ ما سِوى اللَّهِ مَخلوقٌ مُنفعِلٌ، ونحنُ ذَواتُنا مُنفعِلةٌ فكُوْنُها انفعالاتٌ فِينا لِغَيْرِنا نَعْجِزُ عن دَفْعِها لا يُوجِبُ أنْ يكونَ اللَّهُ مُنْفعِلًا لها عاجِزًا عن دَفْعِها، وكان كلُّ ما يجري في الوجودِ فإنه بمَشيئَتِه وقُدْرَته. لا يكونُ إلا ما يشاءُ، ولا يشاءُ إلا ما يكونُ. له المُلكُ وله الحمدُ.

* إثبات صفة مجئ الله وإتيانه ونزوله *

وَقَوْلُهُ: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمَامِ وَالمَلاَئِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ} ، {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ المَلاَئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ} ، {كَلَّا إِذا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا * وجَاءَ رَبُّكَ والمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} ، {ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالغَمَامَ ونُزِّلَ المَلاَئِكَةُ تَنْزِيلًا} . في هذه الآياتِ إثباتُ صفةِ مَجِيءِ اللَّهِ وإتيانِه ونُزولِه على ما يَليقُ بجَلالِه سُبْحَانَهُ، وهذه من أفعالِه الاختياريَّةِ. فينزلُ يومَ القيامةِ لفَصْلِ القضاءِ بينَ النَّاسِ وينزلُ إلى سماءِ الدُّنْيَا كلَّ ليلةٍ حين يبقَى ثُلُثُ الليلِ الآخِرِ، وغيرِ ذلك على ما وَرَدَتْ به النُّصُوصُ، وكما يشاءُ جَلَّ وعَلا، وفي ذلك إبطالٌ لقولِ الجَهْمِيَّةِ والمعتزِلةِ ونحوِهم مِن النُّفاةِ المعطِّلةِ. قولُه: {هَلْ يَنظُرُونَ} أيْ: هلْ يَنتظِرُ الكُفَّارُ التَّارِكونَ للدخُولِ في السِّلْمِ، المُتَّبِعونَ خُطواتِ الشيطانِ إلا أنْ يأتِيَهُمُ اللَّهُ يومَ القيامةِ لفَصْلِ القضاءِ بينَ النَّاسِ، وعندَ ذلك يَحيقُ بهم العذابُ السَّرْمَدِيُّ، ويَنظُرونَ بمعنى يَنْتَظِرونَ، قَالَ امْرُؤُ القَيْسِ:

فَإِنَّكُمَا إِنْ تَنْظُرَانِي سَاعَةً ... مِنَ الدَّهْرِ تَنْفَعُنِي لَدَى أُمِّ جُنْدُبِ

فإذا كانَ النَّظَرُ مَقْرونًا بذِكْرِ الوجهِ أو مُعَدًى بِإِلَى لم يكُنْ إلا بمعنى الرؤيةِ. والظُّلَلُ: جَمْعُ ظُلَّةٍ، وهو السَّحابُ الأبيضُ الرقيقُ. وقولُه: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن تَأْتِيهُمُ الْمَلائِكَةُ} . قَالَ مجاهِدٌ: عندَ الموتِ حينَ تَوَفَّاهُم {أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ} يومَ القيامةِ لِفَصْلِ القضاءِ؛ {أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ} طُلوعُ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها وما شاءَ اللَّهُ، وقَالَ ابنُ جريرٍ: حَيْثُ ذُكِرَ في القرآنِ إتيانُ الملائكةِ فهو مُحتَمِلٌ لإتيانِهم لقَبْضِ الأرواحِ، ويَحتمِلُ أنْ يكونَ نزولُهم بعذابِ الكُفَّارِ وإهلاكِهم. اهـ. {كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ} كَلَّا حَرْفُ زَجْرٍ ورَدْعٍ، المعنى لَيْسَ الأمرُ كما يَظُنُّ المُنْكِرونَ للبعْثِ مِن أنه لا بَعْثَ ولا جزاءَ ولا حسابَ، بل إنَّ ذلك حقٌّ آتٍ لا ريبَ فيه، وعندئذٍ يَذْكُرونَ حينَ لا تَنْفَعُ الذِّكْرَى.

والدَّكُّ: التَّسوِيةُ والتَّمهيدُ، والمَلَكُ واحِدُ الملائكةِ، والمُرادُ هنا الجمْعُ، وَأَلْ فيه للجِنْسِ {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ} إيذانًا بنُزولِه تَعَالَى؛ لأنَّ تَشَققُّ السَّمَاءِ مقدِّمةُ النُّزولِ، ومقدِّمةُ الشَّيْءِ منه، وقد زَعَم بعضُ المُنْكِرينَ لصفةِ مَجِيءِ اللَّهِ أنَّ في قولِه: (وَجَاءَ رَبُّكَ إضْمارًا تقديرُه: وجَاءَ مَلَكُ ربِّكَ، أو أمْرُه، أو عذابُه، وهو زعْمٌ باطِلٌ. فإنه إضمارُ ما لا يدُلُّ عليه اللَّفْظُ بمطابَقةٍ ولا تضمُّنٍ ولا لُزومٍ، وادعاءُ حذفِ ما لا دليلَ عليه يَرْفُعُ الوُثوقَ مِن الخِطابِ ويَطْرُقُ كلَّ مُبْطلٍ على ادعاءِ إضمارِ ما يُصحِّحُ باطلَه. مَعَ أنَّ صحةَ التَّركيبِ واستقامةَ اللَّفْظِ لا تتوقفُ على هذا المحذوفِ، بل الكلامُ مستقيمٌ قائمُ المعنى بدون إضمارٍ، فإضمارُه مجرَّدُ دعوى خِلافِ الأصْلِ فلا يجوزُ، بل يكونُ قولًا على المتكلِّمِ بلا عِلمٍ، وأيضًا فَفِي السياقِ ما يُبْطِلُ هذا التَّقديرَ، وهو قولُه: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ} فعَطْفُ المَلَكِ على مجيئِه سُبْحَانَهُ يدُلُّ على تغايُرِ المَجيئَيْنِ، وأنَّ مجيئَه سُبْحَانَهُ حقيقةً، كما أنَّ مجيءَ المَلَكِ حقيقةً، بل مجيءُ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ أولى أنْ يكونَ حقيقةً مِن مَجيءِ المَلَكِ، وكذلك قولُه: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن تَأْتِيهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ} ففرْقٌ بين إتيانِ الملائكةِ وإتيانِ الرَّبِّ، وإتيانِ {بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ} فقِسْمٌ ونوعٌ مَعَ هذا التَّقسيمِ يمتنِعُ أنْ يكونَ القِسمانِ واحِدًا فتأمَّلْهُ. ولهذا منَعَ عقلاءُ الفلاسفةِ حَمْلَ مِثلِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت