الصفحة 95 من 204

هذا اللَّفْظِ على مَجازِه وقالوا: هذا يأْبَاهُ التَّقسيمُ والتَّرديدُ والاطِّرادُ، ولو صُرِّحَ بهذا المحذوفِ المُقدَّرِ لم يَحسُنْ وكان كلامًا ركيكًا. فإنه لو قَالَ: هلْ يَنْظرُونَ إلا أنْ تأتِيَهم الملائكةُ، أو يأتيَ مَلَكُ ربِّكَ أو أمْرُ ربِّكَ أو يأتيَ بعضُ آياتِ ربِّكَ كان مستهْجَنًا، ولو كان المجيءُ والإتيانُ مُسْتحِيلًا عليه لكان كالأكْلِ والشُّرْبِ والنَّوْمِ والغفْلةِ، ومتى عُهِدَ إطلاقُ الأكْلِ والشربِ والنَّوْمِ والغفْلةِ عليه ونِسبَتُها إليه نِسبةً مجازيةً، وهي متعلِقةٌ بغيرِه؟ وهل في ذلك شيءٌ مِن الكمالِ البتَّةَ؟ فإنَّ قولَه: وجَاءَ ربُّكَ، وأتى ويأتي عندكم في الاستحالةِ مِثلُ نامَ وأكَلَ وشَرِبَ. واللَّهُ سُبْحَانَهُ لا يُطْلِقُ على نفْسِه هذه الأفعالَ ولا رَسُولُه لا بقَرِينةٍ، ولا مُطْلَقةً فَضْلًا عن نَظَرِ نِسبَتِها إليه.

وقد اطَّرَدَ نسبةُ المجيءِ والإتيانِ والنزولِ والاستواءِ إليه مُطْلقًا مِن غيرِ قرينةٍ تدُلُّ على أنَّ الَّذِي نَسَبَ إليه ذلك غيرُه مِن مخلوقاتِه. فَكَيْفَ تُسَوَّغُ دعوى المَجازِ فيه؟ ومَن ادَّعى المجازَ زعَمَ أنَّ العقلَ يُسانِدُه في ذلك، ولكنَّ مدَّعِي الحقيقةِ قد أبطَلَ جميعَ العقلياتِ الَّتِي لأجْلِها ادَّعَى المجازَ في المجيءِ ونحوِه مِن أَكثرِ مِن ثَلاثِمائةِ وَجهٍ، فسَلِمَ لهم النقلُ واتفاقُ السَّلَفِ. فَكَيْفَ والعقلُ الصَّريحُ بجانبِهم؟ وبعضُهم قَالَ: أمْرُه بمعنى مأمورِه. فرَكَّبَ مجازًا على مَجازٍ يزُعُمه، ولم يَصْنَعْ شيئًا.

وقد يجيءُ الإتيانُ والمجيءُ مِن اللَّهَ تَعَالَى مُقَيَّدًا إذا كان مجيءُ رحمتِه أو عذابِه كما في الحديثِ:"جَاءَ اللَّهُ بَالرَّحْمَةِ وَالْخَيْرِ"ومنه: {وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ} {بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ} وفي الحديثِ:"لاَ يَأْتِي بِالْحَسَنَاتِ إلَّا اللَّهُ"وكذلك قولُه: {فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِّنَ الْقَوَاعِدِ} فلمَّا قيَّدَه بالمفعولِ وهو البنيانُ، وبالمَجْرورِ وهو القواعِدُ. دَلَّ ذلك على مَجيءِ ما بيَّنَه؛ إذْ مِن المعلومِ أنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ إذا جاءَ بنَفْسِه لا يَجيءُ مِن أساسِ الحِيطانِ وأَسْفَلِها، وهذا يُشْبُه قولَه تَعَالَى: {هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا} فهذا مَجِيءٌ مُقَيَّدٌ لقومٍ مَخصوصينَ قد أوْقَعَ بهمْ بَأْسَه وعَلِمَ السَّامِعونَ أنَّ جُنودَه مِن الملائكةِ والمسلِمِينَ أتوهم فكان في هذا السياقِ ما يدُلُّ على المرادِ على أنه لا يمتَنِعُ في الآيتَيْنِ أنْ يكونَ الإتيانُ على حقيقَتِه، ويكونُ ذلك دُنُوًّا ممَّن يُريدُ إِهْلاكَهُمْ بغضَبِه وانْتِقامِه، كما يَدْنُو عَشِيَّةَ عرَفةَ مِن الحُجَّاجِ برَحمَتِه، ومَغفِرَتِه، ولا يلْزَمُ مِن هذا الدُّنُوِّ والإتيانِ الملاصقةُ والمخالَطةُ، بل يأتي هَؤُلاَءِ برَحمَتِه وفضْلِه، وهَؤُلاَءِ بانتِقامِه وعُقوبَتِه، ومِن فوقِ عَرْشِه؛ إذْ لا يكونُ الرَّبُّ إلا فوقَ كلِّ شيءٍ. ففَوْقِيَّتُه وعُلُوُّه مِن لوازِمِ ذاتِه، ولا تَناقُضَ بين نُزولِه ودُنُوِّه وهُبوطِه ومَجيئِه وإتيانِه وعُلُوِّه، لإحاطَتِه وسَعَتِه وعظَمَتِه، وأنَّ السَّمَوَاتِ والأرضَ في قبْضَتِه، وأنه مَعَ كوْنِه الظَّاهِرُ الَّذِي لَيْسَ فوقَه شيءٌ فهو الباطِنُ الَّذِي لَيْسَ دُونه شيءٌ، فظُهورُه بالمعنى الَّذِي فسَرَّه به أَعْلَمُ الخَلْقِ لا يُناقِضُ بُطونَه بالمعنى الَّذِي فسَرَّه به أيضًا، ومما يوضِّحُ ذلك أنَّ النُّزولَ والمجيءَ والإتيانَ والصَّعودَ والارتفاعَ كلُّها أنواعُ أفعالِه، وهو الفعَّالُ لما يُريدُ. وأفعالُه كصفاتِه قائمةٌ به، ولولا ذلك لم يكُنْ فعَّالًا ولا مَوصوفًا بصفاتِ كمالِه، فإنْ كانت مَجازًا فأفعالُه كلُّها مَجازٌ ولا فِعلَ له في الحقيقةِ، بل هو بمنزِلَةِ الجماداتِ، وهذا حقيقةُ مَن عطَّلَ أفعالَه، وإنْ كان فاعلًا حقيقةً أفعالُه نوعانِ: لازمِةٌ ومتعَدِّيَةٌ، كما دلَّتِ النُّصُوصُ الَّتِي هي أكثرُ مِن أنْ تُحْصَرَ على النوعَيْنِ، ولما فهِمَتِ العقولُ الفاسدةُ مِن نُزولِ الرَّبِّ ومجيئِه وإتيانِه وهبوطِه ودُنُوِّه ما يُفْهَمُ مِن مجيءِ المخلوقِ وإتيانِه وهُبوطِه ودُنُوِّه، وهو أنْ يُفَرِّغَ مكانًا ويَشْغَلَ مكانًا نَفَتْ حقيقةَ ذلك فوقَعَتْ في مَحذورَيْنِ: محذورِ التَّشبيهِ، ومحذورِ التَّعطيلِ، فلو كانَ الرَّبُّ سُبْحَانَهُ مُماثِلًا لخَلْقِه لَزِمَ نزولَه خصائصُ نُزولِهم، ضرورةَ ثُبوتِ أَحدِ المِثْلَيْنِ للآخَرِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت