فهرس الكتاب
* إثبات صفة الوجه لله *
وقَوْلُهُ: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ} ، {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ} .
إثباتُ صفةِ الوَجْهِ لِلَّهِ قد دَلَّ عليها القرآنُ، والسُّنَّةُ، وإجْماعُ السَّلَفِ، وأهلُ السُّنَّةِ، والوَجْهُ صفةٌ ذاتيةٌ له تَعَالَى. وقدْ أنْكَرَتِ الجَهْمِيَّةُ ونحوُهم أنْ يُوصَفُ اللَّهُ بأنَّ له وَجهًا، وتأوَّلُوا ما وَرَدَ في ذلك تأويلاتٍ فاسدةً، فمنهم مَن قَالَ: المرادُ به الثوابُ، ومنهم مَن قَالَ: القِبْلَةُ، ومنهم مَن قَالَ: الوجهُ صِلَةٌ والتَّقديرُ: وَيَبْقَى رَبُّكَ. ودَعْوى المَجازِ في ذلك باطِلةٌ. فإنَّ المَجازَ لا يمتَنِعُ نفْيُه. فعلى هذا لا يمتَنِعُ أنْ يُقالَ لَيْسَ لِلَّهِ وَجهٌ ولا حقيقةَ لوَجْهِهِ. وهذا تكذيبٌ لِمَا أخْبَرَ اللَّهُ به عن نَفْسِه وأخبَرَ به عنه رَسُولُه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولو سَاغَ دعوى الزيادةِ في ذلك لَسَاغَ لمُعطِّلٍ آخَرَ أنْ يدَّعِيَ الزيادةَ في صِفَاتٍ أُخْرى، وأيضًا فقد ذَكَرَ الخطَّابِيُّ والبَيْهَقِيُّ وغيرُهما أنه تَعَالَى لمَّا أضافَ الوَجْهَ إلى الذَّاتِ وأضافَ النعْتَ إلى الوَجهِ فَقَالَ: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ} . دَلَّ على أنَّ ذِكْرَ الوَجْهِ لَيْسَ بِصِلَةٍ، وأنَّ قوْلَه ذو الجلالِ والإكرامِ صفةٌ للوَجْهِ، وأنَّ الوَجْهَ صفةٌ للذاتِ. فتأمَّلْ رَفْعَ قولِه: ذو الجَلالِ والإكرامِ عند ذِكْرِ الوَجهِ، وجَرِّه في قوله: {تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ} وأيضًا فإنه لا يُعْرَفُ في لغةٍ مِن لغاتِ الأُمَمِ وَجهُ الشَّيْءِ بمعنى ذاتِه ونَفْسِه. . والوَجهُ في اللُّغَةِ مستقْبَلُ كلِّ شيءٍ لأنه أوَّلُ ما يواجَه منه، ووَجْهُ الرأيِ والأمْرِ ما يَظهَرُ أنه صَوابُه، وهو في كلِّ مَحَلٍّ بحسَبِ ما يُضافُ إليه، فإنْ أُضِيفَ إلى زمَنٍ كان الوجهُ زمَنًا، وإنْ أُضِيفَ إلى حيوانٍ كان بحسَبِه، وإنْ أُضِيفَ إلى ثَوبٍ أو حائطٍ كان بحسَبِه، وإنْ أُضِيفَ إلى مَن لَيْسَ كمِثْلِه شيءٌ كان وجْهُه تَعَالَى كذلك، وأما حَمْلُه على الثوابِ المُنْفَصِلِ فهو مِن أَبْطَلِ الباطِلِ. فإنَّ اللُّغَةَ لا تَحْتَمِلُ ذلك ولا يُعْرَفُ أنَّ الجزاءَ يُسَمَّى وَجٍهًا للمَجازِيِّ. ثم إِنَّ الثوابَ مخلوقٌ، وقد صَحَّ عن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه استَعاذَ بوَجهِ اللَّهِ فَقَالَ:"أَعُوذُ بِوَجْهِكَ الْكَرِيمِ أَنْ تُضِلَّنِي، لاَ إِلَهَ إلَّا أَنْتَ الْحَيُّ الَّذِي لاَ يَمُوتُ وَالْجِنُّ وَالإِنْسُ يَمُوتُونُ". رواه أبو داودَ وغيرِه، ومِن دُعائِه يومَ الطَّائفِ:"أَعُوذُ بِوَجْهِكَ الْكَرِيمِ الَّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ الظُّلُمَاتُ، وَصَلَحَ عَلَيْهِ أَمْرُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ"ولا يُظَنُّ برسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنْ يَسْتعيذَ بمخلوقٍ، والأحاديثُ في الاستعاذةِ بوجهِ اللَّهِ كثيرةٌ، وكان النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعو في دُعائِه:"أسألُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ وَالشَّوْقَ إلى لِقَائِكَ"ولا يُعرَفُ تسميةُ الثَّوابِ وَجهًا لغةً ولا شَرْعًا ولا عُرْفًا، وقولُه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"حِجَابُهُ النُّورُ، لَوْ كَشَفَهُ لأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ". فإضافةُ السُّبُحاتِ الَّتِي هي الجَلالُ والنورُ إلى الوَجهِ، وإضافةُ البَصَرِ إليه تُبْطِلُ كلَّ مَجازٍ، وتُبيِّنُ أنَّ المرادَ وَجهُه، وقَالَ عبدُ اللَّه بنُ مسعودٍ: لَيْسَ عِنْدَ رِبِّكُمْ لَيْلٌ وَلاَ نَهَارٌ، نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مِنْ نُورِ وَجْهِهِ. فهل يَصِحُّ أنْ يُحْمَلَ الوَجهُ في هذا على مخلوقٍ، أو يكونَ صِلَةً لا معنى له، أو يكونَ بمعنى القِبْلَةِ والجِهَةِ، وهذا مطابِقٌ لقولِه عليه السَّلامُ:"أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ الظُّلُمَاتُ"فأضافَ النورَ إلى الوجهِ، والوجهَ إلى الذَّاتِ، واستعاذَ بنُورِ الوجهِ الكريمِ. فعُلِمَ أنَّ نُورَه صفةٌ له، كما أنَّ الوجهَ صفةٌ ذاتيَّةٌ، وهذا الَّذِي قاله ابنُ مسعودٍ في تفسيرِ قولِه: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} وقد اتَّفَقَ أهلُ الحقِّ على رؤيةِ المؤمنينَ اللَّهَ في الجَنَّةِ. فمَنْ أنْكَرَ حقيقةَ الوجهِ لم يكُنْ للنَّظَرِ عندَه حقيقةٌ، ولا سِيَّمَا إذا أنْكَرَ الوجهَ والعُلُوَّ، فيعودُ النظَرُ عندَه إلى خيالٍ مُجرَّدٍ، وحَيْثُ وَرَدَ الوجهُ فإنما وَرَدَ مضافًا إلى الذَّاتِ في جميعِ مَواردِه، والمضافُ إلى الرَّبِّ تَعَالَى نوعانِ: أعيانٌ قائمةٌ بنَفْسِها كبَيْتِ اللَّهِ، وناقةِ اللَّهِ، ورُوحِ اللَّهِ، وعبدِ اللَّهِ، ورسولِه. فهذه إضافةُ تشريفٍ وتخصيصٍ، وهي إضافةُ مملوكٍ إلى مالِكِه.