فهرس الكتاب
(الثَّاني) صِفَاتٌ لا تقومُ بنَفْسِها. كعِلمِ اللَّهِ، وحياتِه، وقُدْرتِه، وعِزَّتِه، وسمْعِه، وبَصَرِه ونورِه وكلامِه. فهذه إذا وَرَدتْ مُضافةً إليه فهي إضافةُ صفةٍ إلى الموصوفِ بها، وهذه الإضافةُ تنفي أنْ يكونَ الوجهُ مَخلوقًا، وأنْ يكونَ حَشْوًا في الكلامِ، وفي"سُننِ أبي داودَ"عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه كان إذا دَخَلَ المسجدَ، قَالَ: أعوذُ باللَّهِ العظيمِ وبَوجِهه الكريمِ، وسُلطانِه القديمِ مِن الشيطانِ الرجيمِ. فتأمَّلْ كيفَ قرَّرَه في الاستعاذَةِ بين استعاذَتِه بالذَّاتِ وبين استعاذَتِه بالوجهِ الكريمِ، وهذا صريحٌ في إبطالِ قولِ مَن قَالَ: إنه الذَّاتُ نَفْسُها، وقولِ مَن قَالَ: إنه مَخلوقٌ.
* إثبات صفة اليدين *
وقَوْلُهُ: {مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} ، {وَقَالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ} .
صفةُ اليدَيْنِ لِلَّهِ قد دلَّ عليها الكِتابُ والسُّنَّةُ، وإجماعُ سلفِ الأُمَّةِ. خلافًا للجهميَّةِ والمعتزِلةِ، قَالَ عبدُ اللَّهِ بنُ عمرِو بنِ العاصِ: إنَّ اللَّهَ لم يخْلُقْ بيدِه إلا ثلاثًا: خَلَقَ آدمَ بيدِه، وغرَسَ جنَّةَ عَدْنٍ بيدِه، وكتَبَ التَّوراةَ بيدِه.
وفي مُحاجَّةِ آدمَ لمُوسَى قَالَ مُوسَى: أنتَ الَّذِي خلَقَكَ اللَّهُ بيدِه، ونفَخَ فيكَ مِن رُوحِه، وأسْجَدَ لكَ ملائكِتَه، وعلَّمَكَ أسماءَ كلِّ شيءٍ.
وزعَمَ نُفاةُ الصِّفَاتِ: أنَّ المرادَ باليدَيْنِ النِّعْمَةُ والقُدرةُ، وهي دعوى باطِلةٌ. فإنه لا يَصِحُّ في عقلٍ أو نقْلٍ أنْ يُقالَ: لم يَخْلُقْ بنعمَتِه أو بقُدْرتِه إلا ثلاثًا، ولا يَصِحُّ استعمالُ المَجازِ في هذا بلفظِ التَّثنيةِ. فلا يُستعمَلُ إلا مُفرَدًا أو مَجموعًا كقولِكَ له: عندي يدٌ يُجْزِيهِ اللَّهُ بها، وله عندي أَيادٍ، وأما إذا جَاءَ بلفظِ التَّثْنيةِ فلا يُعْرَفُ استِعمالُه قطُّ إلا في اليدِ الحقيقيَّةِ، ولَيْسَ مِن المعهودِ أنْ يُطلِقَ اللَّهُ على نَفْسِه معنى القُدرةِ والنِّعْمَةِ بلفظِ التَّثنيةِ، بل بلفظِ الإفرادِ الشَّامِلِ لجميعِ الحقيقةِ. كقولِه: {أَنَّ الْقُوَّةَ للَّهِ جَمِيعًا} وقد يَجْمَعُ النِّعمَ مِثلَ: {وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً} وأمَّا أنْ يَقولَ: خلَقْتُكَ بقُدرتَيْنِ أو بنِعمتَيْنِ. فهذا لم يَقَعُ في كلامِه، ولا في كلامِ رَسُولِه، ولو ثَبَتَ استعمالُ ذلك بلفظِ التَّثنيةِ لم يَجُزْ أنْ يكونَ المرادُ به ههنا القُدرةُ، فإنه يُبطِلُ فائدةَ تخصيصِ آدمَ. فإنه وجميعُ المخلوقاتِ حَتَّى إبْلِيسَ مَخلوقٌ بقُدرتِه سُبْحَانَهُ. فأيُّ مَزِيَّةٍ لآدَمَ على إبْلِيسَ في ذلك، وأيضًا فيه النِّعمةُ والقدرةُ لا يُتجاوَزُ بها لفظُ اليدِ. فلا يُتَصَرَّفُ فيها بما يُتَصَرَّفُ في اليدِ الحقيقيَّةِ. فلا يُقالُ فيها كفٌّ، ولا أصبعٌ، ولا أصبعانِ، ولا يمينٌ، ولا شِمالٌ، وهذا كلُّه يَنفِي أنْ تكونَ اليدُ يدَ نعمةٍ أو يدَ قُدرةٍ، وقد قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"الْمُقْسِطُونَ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ".
وفي حديثِ الشَّفاعةِ:"فَأَقُومُ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ مَقَامًا لاَ يَقُومُه غَيْرِي"وإذا ضمَمْتَ قولَه: {وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} إلى قولِه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"يأخُذُ الجبَّارُ سماواتِه وأرْضَه بيدِه يَهُزُّهُنَّ"، وجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْبِضُ يدَه ويَبْسُطُها، وفي"صحيحِ مسلمٍ": يَحْكِي رَبَّهُ بهذا اللَّفْظِ. وقَالَ:"مَا مِنْ قَلْبٍ إِلَّا وَهُوَ بَيْنِ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصابِعِ الرَّحْمَنِ، إِنْ شَاءَ أَنْ يُقِيمَهُ أَقَامَهُ، وَإنْ شَاءَ أَنْ يُزِيغَهُ أَزَاغَهُ"وفي حديث الشَّفَاعَةِ: ِ"وَعَدَنِي رَبِّي أَنْ يُدْخِلَ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي أَرْبَعَمِائَةِ أَلْفٍ"فَقَالَ أبو بكرٍ: زِدْنَا يا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ:"وَثَلاثُ حَثَيَاتٍ مِنْ حَثَيَاتِ رَبِّي"فَقَالَ عُمَرُ: حسبُك يا أبا بكرٍ، إنْ شاءَ أَدْخَلَ خلْقَه الجَنَّةَ بكَفٍّ واحدةٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"صَدَقَ عُمَرُ"فهذا القبضُ والبَسْطُ والطَيُّ