الصفحة 98 من 204

باليمينِ: والأخذُ: والوقوفُ عن يمينِ الرَّحْمَنِ، والكفُّ، وتقليبُ القلوبِ بأصابِعه، ووَضْعُ السَّمَاواتِ على أُصْبُعٍ، والجبالُ على أُصْبُعٍ. فذَكَرَ إحدى اليدَيْنِ. ثم قولُه: وبيدِه الأُخْرى مُمْتَنِعٌ فيه اليدُ المجازيَّةُ، سواءٌ كانتْ بمعنى القدرةِ أو بمعنى النِّعْمَةِ. فإنَّها لا يُتَصَرَّفُ فيها هذا التَّصَرُّفُ، وقد أنْكَرَ اللَّهُ تَعَالَى على اليهودِ نِسْبَةَ يَدِهِ إلى النقصِ والعيبِ، ولم يُنْكِرْ عليهم إثباتَ يدِه وقَدْرَ إثباتِها له زيادةً على ما قالوا بأنهما (( مَبْسُوطَتانِ؟ ) )وأيضًا قَيْدُ القدرةِ والنِّعْمَةِ لا يُعرَفُ استِعمالُها البتَّةَ إلَّا في حقِّ مَن له يدٌ حقيقةً. فهذه موارِدُ استعمالِها مِن أوَّلِها إلى آخِرِها، مُطَّرِدَةٌ في ذلك فلا يَعرِفُ العربيُّ خلافَ ذلك. فاليدُ المضافةُ إلى الحيِّ إمَّا أنْ تكونَ يدًا حقيقةً أو مستلْزِمَةً للحقيقةِ، وإمَّا أنْ تُضافَ إلى مَن لَيْسَ لديه حقيقةٌ، وهو حيٌّ متَّصِفٌ بصفاتِ الأحياءِ.

فهذا لا يُعْرفُ البتَّةَ، وسِرُّ هذا أنَّ الأعمالَ والأخذَ والعطاءَ والتَّصَرُّفَ لمَّا كان باليدِ، وهي الَّتِي تُباشِرُ. عَبَّرُوا بها عن الغايةِ الحاصِلةِ بها، وهذا يستلْزِمُ ثُبوتَ أصْلِ اليدِ حَتَّى يَصِحَّ استعمالُها في مُجرَّدِ القُوَّةِ والنِّعْمَةِ والإعطاءِ، فإذا انتفَتْ حقيقةُ اليدِ امتنَعَ استعمالُها فيها فيما يكونُ باليدِ. فثُبوتُ هذا الاستعمالِ المَجازيِّ مِن أَدَلِّ الأشياءِ على ثُبوتِ الحقيقةِ. فقولُه تَعَالَى في حقِّ اليهودِ: {غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ} هو دعاءٌ عليهم بغَلِّ اليدِ المتضمِّنِ للجُبْنِ والبُخْلِ، وذلك لا يَنفِي ثُبوتَ أيديهم حقيقةً.

وأمَّا الإضافةُ في مِثلِ يدِ الشمالِ، ويدِ الحائطِ ويدِ الليلِ. فقد بيَّنَتْ أنَّ المضافَ مِن جنسِ المضافِ إليه، وكلُّ ذلك حقيقةٌ، وكذلك إضافةُ اليدينِ إلى الرَّحْمَةِ في قولِهِ: {بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} .

فيَتنوَّعُ المُضافُ بتنوُّعِ المُضافِ إليه، وإنِ اختلفَتْ ماهيَّةُ الحقيقةِ وَصِفَتُها وتنوَّعَتْ بتَنَوُّعِ المُضافِ إليه.

وقد وردَ لفظُ اليدِ في القرآنِ والسُّنَّةِ وكلامِ الصَّحَابَةِ والتَّابِعينَ في أكثرَ مِن مائةِ موضعٍ وُرودًا متنوِّعًا، متَصرَّفًا فيه، مَقرونًا بما يدُلُّ على أنها يدٌ حقيقةً مِن الإمساكِ، والطَيِّ، والقبضِ، والبَسْطِ، والمصافَحةِ، والحَثْياتِ، والنضْحِ باليدِ، والخَلْقِ باليدَينِ، والمباشَرةِ بهما، وكَتْبِ التَّوراةِ بيدِهِ، وغرْسِ جنةِ عدْنٍ بيدِه، وتخميرِ طِينةِ آدمَ، ووقوفِ العبدِ بين يديه، وكونِ المُقْسطِينَ عن يمينِه، وقيامِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يومَ القيامةِ عن يمينِه، وتخييرِ آدمَ بين ما في يدَيْه. فَقَالَ: اخْتَرْتُ يمينَ ربِّي، وأخذِ الصَّدَقةِ بيمينِه، يُرَبِّيها لصاحِبها، وكتابَتِه بيدِه على نَفْسِه: إنَّ رحمتَه تغلِبُ غضَبَه، وأنه مَسَحَ ظَهرَ آدمَ بيدِه، ثم قَالَ له: ويداه مَفْتُوحَتانِ: اختَرْ. فَقَالَ: اخترتُ يمينَ ربِّي، وكِلْتا يديْه يمينٌ مبارَكةٌ، وأنَّ يمينَه مَلْأَى لاَ يُغِيضُها نفقةٌ، سحَّاءَ الليلَ والنَّهارَ، وبيدِه الأُخْرى القِسْطُ يَرْفَعُ ويَخْفِضُ، وأنه خلَقَ آدمَ مِن قبضةٍ قبَضَها مِن جميعِ الأرضِ، وأنه يطْوِي السَّمَاواتِ يومَ القيامةِ. ثم يأخُذُهُنَّ بيده اليُمْنَى. ثم يطْوِي الأرضَ باليدِ الأخرى، وأنه خَطَّ الألواحَ الَّتِي كتَبَها لمُوسَى بيدِه، وتأمَّلْ قولَه: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} فلمَّا كانوا يُبايِعونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأيدِيهم، ويَضْرِبُ بيدِه على أيدِيهم، وكان رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو السفيرُ بينَه وبينهم، كانت مبايعَتُهم له مبايعةً لِلَّهِ تَعَالَى، ولمَّا كان سُبْحَانَهُ فوقَ سماواتِه على عَرْشِه وفوقَ الخلائِقِ كلِّهم كانت يدُه فوقَ أيديهم. كما أنه سُبْحَانَهُ فوْقَهم. فهل يَصِحُّ هذا لمَن لَيْسَ له يدٌ حقيقةً؟

ولفظُ اليدِ جَاءَ في القرآنِ على ثلاثةِ أنواعٍ: مفردًا ومُثَنًّى ومجموعًا. فالمُفرَدُ كقولِه: {بِيَدِهِ الْمُلْكُ} والمُثْنَّى كقولِه: {خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} والمَجموعُ {عَمِلَتْ أَيْدِينَا} فحَيْثُ ذَكَرَ اليدَ مُثَّنَاةً أضافَ الفِعلَ إلى نَفْسِه بضميرِ الإفرادِ، وعَدَّى الفِعلَ بالباءِ إليهما، فَقَالَ: {خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} وحَيْثُ ذَكَرَها مجموعةً أضافَ العَمَلَ إليها، ولم يُعَدِّ الفِعلَ بالباءِ. فهذه ثلاثةُ فُروقٍ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت