فهرس الكتاب
فلا يَحْتَمِلُ: {خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} مِن المجازِ ما يَحْتمِلُه {عَمِلَتْ أَيْدِينَا} فإنَّ كلَّ أَحدٍ يَفْهَمُ مِن قولِه: {عَمِلَتْ أَيْدِينَا} ما يُفْهَمُ مِن قولِه عَمِلْنَا وخَلَقْنَا، كما يُفْهَمُ ذلك مِن قولِه: {فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} وأمَّا قولُه: {خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} فلو كان المرادُ منه مجرَّدَ الفِعلَ لم يكُنْ لِذِكْرِ اليدِ بعدَ نسبةِ الفعلِ إلى الفاعِلِ معنىً، فَكَيْفَ وقد دخلَتْ عليها الباءُ؟ فَكَيْفَ إذا ثُنِّيَتْ؟ وَسِرُّ الفَرْقِ أنَّ الفِعلَ قد يُضافُ إلى يدِ ذي اليدِ، والمُرادُ الإضافةُ إليه كقولِه: {بِمَا قدَّمَتْ يَدَاكَ} {بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} وأمَّا إذا أُضِيفَ إليه الفِعلُ ثم عُدِّيَ بالباءِ إلى يدِه مُفرَدةً أو مُثناةً فهو مما باشَرَتْهُ يدُه.
* إثباتُ صفةِ عينَىِ الرَّحمنِ جلَّ وعلا *
وقولُهُ: {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بأَعْيُنِنا} ، {وَحَمَلْنَاهُ عَلى ذَاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ * تَجْرِي بِأَعْيُنِنا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ} ، {وأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي * وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} .
قد دَلَّ الكِتابُ والسُّنَّةُ الصَّرِيحةُ وإجماعُ أهلِ الحقِّ على أنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَوصوفٌ بأنَّ له عَيْنَيْنِ حقيقةً على ما يَليقُ بجَلالِه وعظَمَتِه.
وقولُه: {وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ} الدُّسُرُ: المَسامِيرُ، وأحدُها دِسارٌ، والمرادُ بذاتِ ألواحٍ ودُسُرٍ السفينةُ {تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا} بمَرْأًى مِنَّا، وفي حِفْطِنا وكَلاءَتِنا، قولُه: {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} . أيْ: لِتُرَبَّي وتُغَذَّى وتُنَعَّمَ على عيني أَراكَ وأحْفَظُكَ.
ووَرَدَ وصْفُ اللَّهِ بالعَيْنَيْنِ في القرآنِ بلفظِ المُفرَدِ تارةً، وبلفظِ الجَمْعِ تارةً، ووَرَدَ في السُّنَّةِ بلفظِ التَّثنيةِ.
وذلك أنَّ المُفْرَدَ المُضافَ يُرادُ به أكثرُ مِن واحدٍ كقولِه: {وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا} ومنه: {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} ثم إنه ذَكَرَ العَيْنَ المُفرَدةَ المضافةَ إلى الضميرِ المُفرَدِ، والأَعْيُنَ مَجموعةً مضافةً إلى ضميرِ الجمعِ، وذِكْرُ العَيْنِ مُفرَدةً لا يدُلُّ على أنها عَيْنٌ واحدةٌ لَيْسَ إلا كقولِك: افْعَلْ هذا على عَيْنِي، وأُحِبُّكَ على عيني، ولا يُريدُ أنَّ له عَينًا واحدةً، وقد نَطقَ الكتابُ بلفظِ العَيْنِ مضافةً إليه، مُفردةً ومَجموعةً، ونطَقَتِ السُّنَّةُ بإضافَتِها إليه مُثَنَّاةً، كما قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا قَامَ فِي الصَّلاةِ قَامَ بَيْنَ عَيْنَيِ الرَّحْمَنِ، فَإِذَا الْتَفَتَ قَالَ لَهُ رَبُّهُ: إِلَى مَنْ تَلْتَفِتُ؟ إِلَى خَيْرٍ لَكَ مِنِّي؟"وقولُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"إِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ"صَرِيحٌ بأنه لَيْسَ المرادُ إثباتُ عَينٍ واحدةٍ. فإنَّ ذلك عَورٌ ظاهِرٌ تَعَالَى اللَّهُ عنه، وهل يَفْهَمُ مِن قولِ الدَّاعي: اللَّهُمَّ احْرُسْنَا بِعَيْنِكَ الَّتِي لا تنامُ. أنها عَينٌ واحدةٌ لَيْسَ إلَّا ذِهْنٌ أَقْلَفُ، وقلبٌ أَغْلَفُ، وقَالَ عثمانُ بنُ سعيدٍ: الأعورُ ضدُّ البصيرِ بالعينَيْنِ، ولغةُ العربِ متنوِعةٌ في إفرادِ المُضافِ وتثنِيَتِه وجَمْعِه، بحسَبِ أحوالِ المضافِ إليه، فإنْ أضافوا الواحدَ المُتَّصِلَ إلى مُفرَدٍ أفْرَدُوه، وإنْ أضافوه إلى اسمِ جمعٍ ظاهرًا أو مُضْمَرًا فالأحسَنُ جمْعُه مشاكَلةً للفظِهِ كقولِه: {تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا} وإنْ أُضِيفَ إلى ضميرِ جَمْعٍ جُمِعَتْ كقولِه: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعامًا} وإنْ أضافوه إلى اسمٍ مثنًى فالأفصَحُ في لُغَتِهم جمْعُه كقولِه: {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} وإنما هُما قَلبانِ. وقولُه: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} وكقولِ العربِ: اضرِبْ أعناقَهُما، وهذا أفصَحُ استعمالِهم، وتارةً يُفْرِدونَ المضافَ فيقولون: لِسانُهُما وقلبُهُما، وتارةً يُثَنُّونَ كقولِه: ظَهْرَاهُما مِثلُ ظُهورِ النَّرْسِينَ.