فهرس الكتاب
وإذا كان مِن لُغتِهِم وضْعُ الجَمْعِ موضِعَ التَّثنِيةِ لئلا يَجْمَعُوا في لفظٍ واحدٍ بينَ تثْنيتَيْنِ، ولا لَبْسَ هناك، فلأنْ يَضَعَ الجمعَ موضِعَ التَّثنيةِ فيما إذا كان المضافُ إليه تثنيةً أوْلى بالجوازِ يدُلُّ عليه: أنكَ لا تكادُ تجِدُ في كلامِهم: عينانِ ويَدانِ ونحوِ ذلك، ولا يَلْتَبِسُ على السَّامِعِ قولُ المتكلِّم: نَراكَ بأعْيُنِنا، ونأخُذُكَ بأيدِينا، ولا يَفْهَمُ منه بَشرٌ على وجهِ الأرضِ عُيونًا كثيرةً على وجهٍ واحدٍ.
وقَوْلُهُ: {قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتي تُجَادِلُكَ في زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلى اللهِ وَاللهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللهَ سَمِيْعٌ بَصِيْرٌ} ، وقولُه: {لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أَغْنِياءُ} ، وقَوْلُهُ: {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ} ، {إِنَّني مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} ، وقوله: {أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللهَ يَرَى} ، {الَّذِي يَرَاكَ حِيْنَ تَقُومُ وتَقَلُّبَكَ في السَّاجِدِينَ * إِنَّهُ هُوَ السَّمِيْعُ العَلِيْمُ} ، {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ والمُؤمِنُونَ} .
في هذه الآياتِ وُصِفَ اللَّهُ بالسَّمعِ والبصرِ، وأنَّه تَعَالَى يَسمعُ بسمْعٍ ويُبصِرُ ببصرٍ حقيقةً. مُنزَّهٌ في ذلك وغيرِه مِن صِفَاتِ المخلوقينَ ومماثَلَتِهم. هذا مذهبُ سلَفِ الأُمَّةِ وأئمَّتِها وعلى ذلك دَلَّ الكِتابُ والسُّنَّةُ؛ وفي ذلك الردُّ على الجَهْمِيَّةِ والمعتزلةِ.
قالتَّ عائشةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: الحمدُ لِلَّهِ الَّذِي وَسِعَ سمْعُه الأصواتَ؛ لقد جاءتِ المجادِلةُ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تكلِّمُه في جانبِ البيتِ؛ ما أَسمَعُ ما تقولُ فأَنْزلَ اللَّهُ هذه الآيةَ: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا} رواه أحمدُ.
فلا يشكُّ صحيحُ الفَهْمِ البتَّة في هذا الخِطَابِ: أنه نصٌّ صريحٌ لا يَحتَمِلُ التَّأويلَ بوجهٍ مِن الوجوهِ في إثباتِ صفةِ السمعِ لِلَّهِ حقيقةً وأنه يَسمَعُ بنَفْسِه.
وهذا أَصْرحُ ما يكونُ في إثباتِ صفةِ السمعِ لِلَّهِ؛ ذِكْرُ الماضي؛ والمضارِعِ؛ واسمِ الفاعِلِ؛ سَمِعَ ويَسْمَعُ؛ وهو سَمِيعٌ وله السَّمْعُ. كما قالتَّْ عائشةُ: الحمدُ لِلَّهِ الَّذِي وَسِعَ سمعُه الأصواتَ؛"ولا يَستقِيمُ كلامُ العَرَبِ؛ أنْ يُقَالَ لشيءٍ هو سميعٌ بصيرٌ إلا وذلك الشَّيْءُ موصوفٌ بالسَّمعِ والبصرِ مِن ذوي الأعيُنِ والأبصارِ، وقد يُقالُ في مَجازِ الكلامِ: الجِبالُ تَتَرآى وتَسْمَعُ على معنى أنَّها تُقابِلُ بعضَها بعضًا، وتُبَلِّغُها الأصواتَ ولا تَفْقَهُ، ولا يُقالُ: جبلٌ سميعٌ بصيرٌ، وقَصْرٌ سميعٌ بصيرٌ؛ لِأنَّ ذلك مستحيلٌ إلا لمَن يَسمعُ بسمعٍ ويُبصِرُ ببَصرٍ."
وفِعلُ السَّمعِ يُرادُ به أربعةُ معانٍ: (أحدُها) : سمعُ إدراكٍ ومُتَعلَّقُه الأصواتُ. (الثَّاني) : سمعُ فهمٍ وعقلٍ ومُتعلَّقُه المعاني. (الثَّالث) : سمعُ إجابةٍ وعطاءِ ما سُئِلَ. (الرَّابعُ) : سمعُ قبولٍ وانقيادٍ.
فمِن الأوَّلِ: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا} و {لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ} ومِن الثَّاني قولُه: {لاَ تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا} لَيْسَ المرادُ سمعُ مُجرَّدِ الكلامِ، بل سمعُ الفهمِ والعقلِ. ومنه: {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} . ومِن الثَّالثِ:"سَمِعَ اللَّهُ لمَن حَمِدَه"وفي الدُّعَاءِ المأثورِ: اللَّهُمَّ اسْمَعْ. أيْ أجِبْ وأعْطِ ما سألتُك. ومِن الرَّابعِ قولُه تَعَالَى: {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ} أي قابِلونَ له، ومُنْقادُونَ له على أصحِّ القولَيْنِ. {وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ} أي قابِلونَ ومُنْقادُونَ. وقِيلَ: عُيونٌ وجَواسيسُ، ولَيْسَ بشيءٍ. إذا عُرِفَ هذا فسَمعُ الإدراكِ يتعدَّى بنَفْسِه، وسمعُ القَبولِ يتعدَّى باللامِ تارةً وبمِن أُخْرى، وهذا