الصفحة 101 من 204

بحسَبِ المعنى، فإذا كان السياقُ يقتضي القَبولَ عُدِّيَ بمِن؛ وإنْ كان يقتضي الانقيادَ عُدِّيَ باللامِ، وأمَّا سمعُ الإجابةِ فيَتعدَّى باللامِ نحوُ"سَمِعَ اللَّهُ لمَن حَمِدَه"لتضمُّنِه معنى استجابَ له؛ ولا حَذْفَ هناك وإنما هو متضمِّنٌ.

وأمَّا سمعُ الفهمِ فيَتعدَّى بنَفْسِه؛ لِأنَّ مضمونَه يَتعدَّى بنَفْسِه فلِلَّهِ تَعَالَى سمعٌ يُدْرِكُ به المسموعاتِ، وبَصَرٌ يُدركُ به المرئياتِ بلا تَكْييفٍ.

وروى البُخاريُّ في"صحيحِه"أنَّ النَّبِيَّ صلى اللَّهُ عليه وسلم قَالَ:"ما أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ إِذْنَهُ لِرَجُلٍ حَسَنِ الصَّوْتِ يَتَغَنَّى بِالْقُرَآنِ"والأدِلَّةُ في ذلك أَكْثرُ مِن أنْ تُحْصَرَ.

* إثبات المكر والكيد *

وقَوْلُهُ: {وَهُوَ شَديِدُ المِحَالِ} ، و قَوْلُهُ: {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ المَاكِرِينَ} ، وقَوْلُهُ: {وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنًا مَكْرًا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} ، وقَوْلُهُ: {إِنَّهُمْ يَكِيْدُونَ كَيْدًا وَأَكِيْدُ كَيْدًا} .

في هذه الآياتِ إثباتُ وصفِ اللَّهِ بالمَكْرِ والكَيْدِ والمُماحلَةِ، وهذه صِفَاتٌ فِعليَّةٌ تُثْبَتُ لِلَّهِ كما يَلِيقُ بجَلالِه وعظمَتِه.

قولُه: {وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ} . أيِ: الأخْذُ بِشدَّةٍ وقُوَّةٍ، والمِحالُ، والمُماحلَةُ المُماكَرةُ والمغالَبةُ، وقد روى الإمامُ أحمدُ رَحِمَهُ اللَّهُ عن ابنِ عباسٍ: كان مِن دُعاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"اللَّهُمَّ أَعِنِّي وَلاَ تُعِنْ عَلَيَّ، وَانْصُرْنِي وَلاَ تَنْصُرْ عَلَيَّ، وَامْكُرْ لِي وَلاَ تَمْكُرْ عَليَّ"ورَواهُ التِّرْمِذِيُّ وصحَّحَه.

والمَكْرُ: الأخذُ في غَفْلةٍ، كما قَالَ تَعَالَى: {سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ} .

فنِسْبَةُ الكَيْدِ والمَكْرِ ونحوِهما إليه سُبْحَانَهُ مِن إطلاقِ الفِعلِ عليه تَعَالَى؛ والفِعلُ أَوْسعُ مِن الاسِمِ، ولهذا أَطْلقَ اللَّهُ على نفْسِه أفعالًا لم يَتَسَمَّ منها بأسماءِ الفاعِلِ كأرَادَ وشاءَ وأَحْدَثَ، ولم يُسَمَّ بالمُريدِ والشَّائِي والمُحْدِثِ كما لم يُسَمِّ نفْسَه بالصَّانِعِ والفاعِلِ والمُتْقِنِ وغيرِ ذلك مِن الأسماءِ الَّتِي أَطْلقَ أفْعالَها على نَفْسِه، فبابُ الأفعالِ أوْسعُ مِن بابِ الأسماءِ، وقد أخطأَ أقْبَحَ الخَطأِ مَن اشْتَقَّ له مِن كلِّ فِعلٍ اسمًا، وبَلَغَ بأسمائِه زيادةً على الألْفِ فسمَّاهُ المَاكِرَ والمُخادِعَ والفاتِنَ والكائِدَ ونحوَ ذلك، وكذلك بابُ الإخْبارِ عنه بالاسمِ أوْسَعُ مِن تسمِيَتِه به فإنه يُخْبِرُ عنه بأنه شيءٌ موجودٌ ومذكورٌ ومعلومٌ ومرادٌ ولا يُسَمَّى بذلك.

وهكذا جميعُ ما أطْلَقَه على نفْسِه مِن صِفَاتِ العُلَى أَكْمَلُ معنًى ولفظًا ممَّا لم يُطْلِقْه، فالعليمُ الخبيرُ أكْمَلُ مِن الفقيهِ والعارفِ، والكريمُ الجوادُ أكْمَلُ مِن السَّخِيِّ، والخالِقُ البارِئُ المُصوِّرُ أكمَلُ مِن الصَّانعِ الفاعلِ، ولهذا لم تَجِئْ هذه في أسمائِه الحُسنى، والرحيمُ والرءُوفُ أكمَلُ مِن الشفيقِ. فعليكَ بمُراعاةِ ما أطْلَقَه سُبْحَانَهُ على نفْسِه من الأسماءِ والصِّفَاتِ، والوقوفِ معها، وعدمِ إطلاقِ ما لم يُطلِقْه على نفَسِه ما لم يكُنْ مطابِقًا لمعنى أسمائِه وصفاتِه، وحينئذٍ فيُطلَقُ المعنى لمطابقَتِه له دونَ اللَّفْظِ، ولا سيَّما إذا كان مُجْمًلًا أو مُنْقَسمًا إلى ما يُمدحُ به وغيرُه فإنه لا يَجوزُ إطلاقُه إلا مُقَيَّدًا.

وهذا كلفظِ الفاعِلِ والصَّانعِ فإنه لا يُطْلَقُ عليه في أسمائِه الحُسنى إلا إطلاقًا مقيَّدًا أطلَقَه على نفْسِه كقوله تَعَالَى: {فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ} {يَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ} وقوله: {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} . فإنَّ اسمَ الفاعلِ والصَّانعِ منقَسِمُ المعنى إلى ما يُمدَحُ عليه ويُذَمُّ، ولهذا المعنى، واللَّهُ أعلمُ، لم يَجِئْ في الأسماءِ الحُسْنى المريدُ كما جَاءَ فيها السَّميعُ البصيرُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت