فهرس الكتاب
ولا المتكلِّمُ، ولا الآمِرُ النَّاهي لانقسامِ مُسَمى هذه الأسماءِ. بل وصَفَ نفْسَه بكمالاتها، وأشْرَفِ أنواعِها، ومِن هنا يُعلَمُ غَلَطُ بعضِ المتأخِّرينَ وزَلَقُهُ الفاحشُ في اشتقاقِه له سُبْحَانَهُ مِن كلِّ فِعلٍ أخبَرَ به عن نفْسِه اسمًا مُطْلقًا فأدْخَلَه في أسمائِه الحُسنى. فاشتَقَّ له اسْمَ الماكرِ والخادعِ والفاتنِ والمُضِلِّ والكاتِبِ ونحوِها مِن قولِه: {وَيَمْكُرُ اللَّهُ} ومِن قولِه: {وَهُوَ خَادِعُهُمْ) ومِن قولِه: لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ} ومِن قولِه: {يُضِلُّ مَن يَشَاءُ} وقولِه: {كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ} وهذا خطأٌ. فإنه سُبْحَانَهُ لم يُطْلِقْ على نفْسِه هذه الأسماءَ فإطلاقُها عليه لا يَجوزُ. فقد أخبَرَ عن نفْسِه بأفعالٍ مختَّصةٍ مقيَّدةٍ. فلا يُجوزُ أنْ يُنْسَبَ إليه مسمَّى الاسِمْ عندَ الإطلاقِ، ثم إنَّ هذه لَيْسَت مِن الأسماءِ الحسنى الَّتِي يُسمَّى اللَّهُ بها سُبْحَانَهُ فلا يَجوزُ أنْ يُسمَّى بها. ولو أنَّ هذا القائِلَ سمَّى بهذه الأسماءِ؛ وقِيلَ له: هذه مِدْحتُكَ وثناءٌ عليكَ، فأنتَ الماكرُ الفاتنُ المخادعُ المضلُّ الملاعنُ الفاعلُ الصَّانعُ ونحوُها لما كان يَرْضَى إطلاقَ هذه الأسماءِ عليه ويعُدُّها مِدْحةً، ولِلَّهِ المَثلُ الأعلى؛ ويَلزمُ هذا القائلَ أنْ يَجَعلَ مِن أسماءِ اللاعنِ والجائي والآتي والذَّاهبِ والتَّاركِ والمقاتلِ والصَّادقِ والمُنزِّلِ والنَّازلِ والمُدمدِمِ والمدمِّرِ وأضعافِ أضعافِ ذلك فيشتَقُّ له اسمًا مِن كلِّ فِعلٍ أخبَرَ به عن نفْسِه وإلا تَناقَضَ تناقُضًا بيِّنًا؛ ولا أحدَ مِن العقلاءِ طرَّدَ فذلك، فعُلِمَ بُطلانُ قولِه، والحمدُ لِلَّهِ ربِّ العالَمِينَ.
"وقد قِيلَ: إنَّ تسميةَ ذلك مَكْرًا وكَيْدًا واستهزاءً وخِداعًا مِن بابِ الاستعارةِ، ومَجازِ المقابلَةِ نحوَ: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا} ونحوَ قولِه: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} وقِيلَ: وهو أصْوَبُ. بل تسميةُ ذلك حقيقةً على بابِه. فإنَّ المَكْرَ إيصالُ الشَّيْءِ إلى الغيرِ بطريقٍ خفيٍّ، وكذلك الكيدُ والمخادَعةُ. ولكنه نوعانِ: قبيحٌ وهو إيصالُ ذلك لمَن لا يستحِقُّه، وحسَنٌ وهو: إيصالُه إلى مَن يستحِقُّه عقوبةً له. فالأوَّلُ مذمومٌ، والثَّاني ممدوحٌ، والرَّبُّ تَعَالَى: إنما يَفعَلُ مِن ذلك ما يُحْمَدُ عليه عَدْلًا منه وحِكمةً، وهو تَعَالَى يأخُذُ الظَّالِمَ والفاجِرَ مِن حَيْثُ لا يحْتَسِبُ. لا كما يَفعَلُ الظَّلَمةُ بعبادِه، وأما السيئةُ فهي فَعْيِلَةٌ ممَّا يسوءُ. ولا ريبَ أنَّ العقوبةَ تسوءُ صاحبَها، فهي سيئةٌ له حسنةٌ مِن الحَكَمِ العَدْلِ."
* إثباتُ صفةِ العفوِ والعزَّةِ *
وقَوْلُهُ: {إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُو عَنْ سُوْءٍ فَإِنَّ اللهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيْرًا} ، {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} .
وقولُه: {وَلِلَّهِ العِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنينَ} ، وقولُهُ عن إِبلِيسَ: {فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعينَ} .
في هذه الآياتِ إثباتُ وصفِ اللَّهِ بالعَفْو والمغفرةِ والقُدرةِ والعزَّةِ. والعَفُوُّ اسمُه تَعَالَى وصِفَتُه، ومعناه المُتجاوِزُ عن خطيئاتِ عِبادِه، إذا تابوا وأنابوا، وهو الَّذِي يَقْبَلُ التَّوبةَ عن عِبادِه، ويَعفو عن السَّيْئاتِ، وأكمَلُ العَفْوِ ما كان عَن مقدِرةٍ، ولذا قَرَنَ اللَّهُ تَعَالَى عَفْوَه بالقُدرةٍ فَقَالَ: {فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا} وقد سألَتْ عائشةُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنْ يُعلِّمَها دعاءً تدعو به في ليلةِ القَدْرِ إنْ وافقَتْها. قَالَ قُولِي:"اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي". رواه التِّرمِذِيُّ، وروى أنَّ مِن دعاءِ حملَةِ العرشِ:"سُبْحَانَكَ عَلَى عَفْوِكَ بَعْدَ قُدْرَتِكَ"وَمَا أَحْسَنُ مَا قَالَ فِي الكَافِيةِ الشَّافِيةِ:
وَهُوَ الْعَفُوُّ فَعَفْوُهُ وَسِعَ الْوَرَى ... لَوْلاَهُ غَارَ الأَرْضُ بِالسُّكَّانِ
ومِن أسمائِه تَعَالَى القديرُ والعزيزُ، والقُدرةُ صفتُه وقُدرتُه تَعَالَى شامِلةٌ لكلِّ شيءٍ، كما قَالَ: {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} .