الصفحة 103 من 204

والعِزَّةُ صفةٌُ ثابتةٌ لِلَّهِ لا تُماثِلُها عِزَّةُ مخلوقٍ. ومعنى العزَّةِ في اللُّغَةِ: القوَّةُ والغَلَبةُ والامتِناعُ. يُقالُ:"عَزَّ يَعَزُّ بالفتحِ في المضارعِ إذا اشتدَّ وقَوِيَ، وبالكسرِ في المضارعِ إذا قَوِي وامتنَعَ، وبالضمِّ إذا غَلَبَ وقَهَرَ".

فالعزَّةُ تتضمَّنُ القُوَّةَ. ولِلَّهِ القُوَّةُ جميعًا. يُقالُ: عَزَّ يَعَزُّ بالفتحِ إذا اشتدَّ وقَوِيَ، ومنه الأرضُ العِزازُ الصُّلْبةُ الشَّديدةُ. وعَزَّ يَعِزُّ بكسرِ العَينِ إذا امتنَعَ ممَّن يَرومُه، وعَزَّ يَعُزُّ بضمِّ العَينِ إذا غَلَبَ وقَهَرَ، فأعْطَوْا أقوَى الحركاتِ وهي الضمَّةُ، لأقوى المعاني وهو الغلَبةُ والقهْرُ للغيْرِ، وأضعَفَها وهي الفتحةُ لأضعفِ المعاني، وهو كونُ الشَّيءِ في نفْسِه صُلْبًا، ولا يلْزَمُ مِن ذلك أنْ يمتَنِعَ عمَّن يَرومُه، والحركةَ المتوسِّطةَ وهي الكسرةُ للمعنى المتوسِّطِ، وهو القويُّ الممتنِعُ عن غيرِه، ولا يلْزَمُ منه أنْ يَقْهَرَ غيرَه ويغْلِبَه. فأعْطَوُا الأقوى للأقوى، والأضْعفَ للأضْعفِ، والمتوسِّطَ للمتوسِّطِ. ولا ريبَ أنَّ قَهْرَ المَربُوبِ عمَّا يريدُه مِن أقوى أوصافِ القادِرِ. فإنَّ قهْرَه عن إرادَتِه وجعْلَه غيرَ مُريدٍ كان أقوى أنواعِ القَهْرِ، والعِزُّ ضِدُّ الذُّلِّ؛ والذُّلُّ أصْلُه الضَّعفُ والعجزُ؛ فالعِزُّ يقتضي كمالَ القُدرةِ؛ ولهذا يُوصفُ به المؤمنُ؛ ولا يكونُ ذمًّا له بخلافِ الكِبْرِ. قَالَ رجلٌ للحَسَنِ البَصْريِّ: إنَّكَ متكبِّرٌ! فَقَالَ: لستُ بمتكبِّرٍ، ولكنِّي عزيزٌ، وقَالَ ابنُ مسعودٍ: ما زِلْنا أعِزَّةً منذُ أسْلَمَ عُمَرُ , وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلامَ بِأَحَدِ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ: عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ أَوْ أَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ"وفي بعضِ الآثارِ: إن النَّاسَ يطلبُونَ العِزَّةَ في أبوابِ الملوكِ ولا يَجِدونَها إلا في طاعةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ وفي الحديثِ:"اللَّهُمَّ أَعِزَّنَا بِطَاعَتِكَ، وَلاَ تُذِلَّنَا بِمَعْصِيَتِكَ"وقَالَ بعضُهم: مَن أرادَ عِزًّا بلا سلطانٍ، وكَنْزًا بلا عَشيرةٍ؛ وغِنًى بلا مالٍ، فلينتَقِلْ مِن ذُلِّ المَعْصيةِ إلى عِزِّ الطَّاعةِ. فالعِزَّةُ مِن جِنْسِ القُوَّةِ. وقد ثَبَتَ في الصَّحيحِ عن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قَالَ:"الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعيفِ وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ".

* طريقةُ القرآنِ في النفيِ والإثباتِ *

وقَوْلُهُ: {تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ} .

وقَوْلُهُ: {فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} ، {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} ، وقَوْلُهُ: {فَلاَ تَجْعَلُوا للهِ أَنْدادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمونَ} ، {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ} ، وقَوْلُهُ: {وَقُلِ الحَمْدُ للهِ الَّذي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَريكٌ في المُلْكِ ولَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِن الذُّلِّ وكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا} ، {يُسَبِّحُ للهِ مَا فِي السَّماواتِ وَمَا في الأرْضِ لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيْرٌ} ، {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ للْعَالَمِينَ نَذِيرًا * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ والأرْضِ ولَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيْكٌ في المُلْكِ وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} ، {مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ وَلَدٍ ومَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ * عَالِمِ الغَيْبِ والشَّهَادَةِ فَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ} ، {فَلاَ تَضْرِبُوا للهِ الأمْثالَ إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ وأَنْتُم لاَ تَعْلَمونَ} ، {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفَواَحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا باللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وأَنْ تَقُولوا عَلَى اللهِ مَا لا تَعْلَمونَ} .

طريقةُ القرآنِ في بابِ الأسماءِ والصِّفَاتِ للنَّفْيِ المُجْمَلِ والإثباتِ المُفَصَّلِ، ففيه مِن إثباتِ الأسماءِ الحُسنى والصِّفَاتِ العُلى ما لا سبيلَ إلى حَصْرِه؛ وأمَّا في النَّفْيِ فطريقةُ القرآنِ والسُّنَّةِ في ذلك الإجمالُ؛ والنَّفْيُ إنما جِيءَ به لإثباتِ صِفَاتِ كمالِه سُبْحَانَهُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت