فهرس الكتاب
قولُه: {تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ} أيْ: تعالَتْ أسماؤكَ وتعظَّمَتَْ وتقدَّسَتْ، والجَلالُ والعظَمةُ صفتانِ لِلَّهِ تَعَالَى."وقد ذُكِرَ تبارُكُه سُبْحَانَهُ في المواضعِ الَّتِي أَثْنَى فيها على نفْسِه بالجَلالِ والعظَمةِ والأفعالِ الدَّالَّةِ على رُبوبِيَّتِه وإلهيَّتِه وحِكمتِه وسائرِ صِفَاتِ كمالِه مِن إنزالِ الفُرقانِ وخَلْقِ العالَمِينَ، وجَعْلِه البُروجَ في السَّمَاءِ، والشَّمْسَ والقمرَ، وانفرادِه بالمُلكِ وكمالِ القُدرةِ. قَالَ الحسينُ بنُ الفَضْلِ: تبارَكَ في ذاتِه وبارَك فيمَن شاءَ مِنْ خلقِه وهذا أحسَنُ الأقوالِ. فتبارُكُه سُبْحَانَهُ صفةُ ذاتٍ له وصِفةُ فِعلٍ. والَّذِي يدُلُّ على ذلك أنه سُبْحَانَهُ يُسْنِدُ التَّبارُكَ إلى اسمِه كما قَالَ: {تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ} وفي حديثِ الاستفتاحِ:"تَبَارَكَ اسْمُكَ وَتَعَالَى جَدُّكَ"، فدَلَّ هذا على أنَّ تبارَك لَيْسَ بمعنى بارَكَ. كما قالَه الجَوْهريُّ، وإنَّ تبرِيكَه سُبْحَانَهُ جُزءُ مسمَّى اللَّفْظِ لا كَمالُ معناه، والبركةُ نوعانِ: (أحدُهما) : بركةٌ هي فِعلِهُ تبارك وتَعَالَى، والفِعلُ منها بارَكَ، ويتعدَّى بنَفْسِه تارةً، وبأداةٍ"على"تارةً، وبأداةِ"في"تارةً، والمفعولُ منها مبارَكٌ وهو ما جُعِلَ كذلك، فكان مُبارَكًا بجَعْلِه تَعَالَى (والنوعُ الثَّاني) بركةٌ هي تضافُ إليه إضافَةَ الرَّحْمَةِ والعزَّةِ، والفعلُ منها تبارَكَ، ولهذا لا يُقالُ لغيرِه ذلك ولا يصلُحُ إلا له عَزَّ وَجَلَّ، فهو سُبْحَانَهُ المبارِك، وعبدُه ورسولُه المبارَكُ كما قَالَ المسيحُ: {وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ} ."
فمَن بارَكَ اللَّهُ فيه وعليه فهو المبارَكُ. وأمَّا صِفتُه تبارَكَ فمختَصَّةٌ به تَعَالَى، كما أَطْلَقَها على نفْسِه بقولِه: {تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} ؛ {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ} {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} . أفلا تَراها كَيْفَ اطَّرَدَتْ في القرآنِ جاريةً عليه مختَصَّةً به لا تُطْلَقُ على غيرِه؟ وجاءتْ على بِناءِ السِّعةِ والمُبالغةِ كتَعَالَى وتعاظَمَ ونحوِها. فجَاءَ بناءُ تبارَكَ على بناءِ تَعَالَى، الَّذِي هو دالٌّ على كمالِ العُلُوِّ ونهايَتِه فكذلك تبارَك دالٌّ على كمالِ برَكتِه وعظَمتِها وسِعَتِها. وحقيقةُ اللَّفْظَةِ: أنَّ البرَكةَ كثرةُ الخيرِ ودوامِه، ولا أحدَ أحقُّ بذلك وَصْفًا وفِعلًا منه تبارَك وتَعَالَى.
وتفسيرُ السَّلَفِ يدورُ على هذَيْنِ المعنَيَيْنِ، وهما متلازِمانِ، لكنَّ الألْيَقَ باللَّفْظَةِ معنى الوصفِ لا الفِعلِ فإنه فِعلٌ لازِمٌ مِثلَ: تَعَالَى وتقدَّسَ وتعاظَمَ. ومِثلُ هذه الألفاظِ لَيْسَ معناها أنه جَعَلَ غيرَه عاليًا ولا قُدُّوسًا ولا عظيمًا، هذا ممَّا لا يَحتمِلُه اللَّفْظُ بوجهٍ. وإنَّما معناها في نفْسِ مَن نُسِبَتْ إليه، فهو المُتعالي المتقدِّسُ، فكذلك تباَرك لا يصِحُّ أنْ يكونَ معناها بارَك في غيرِه، وأين أحدُهما مِن الآخَرِ لفظًا ومعنىً؟ هذا لازِمٌ، وهذا متعَدٍّ، فعَلِمْتَ أنَّ مَن فسَّرَ تبارَك بمعنى ألْقَى البَركةَ وبارَك في غيرِه لم يُصِبْ معناها. وإن كان هذا مِن لوازِمِ كونِه متبارِكًا فتبارَك مِن بابِ مَجُدَ، والمَجْدُ كثرةُ صِفَاتِ الجَلالِ والفَضْلِ. وبارَك مِن بابِ أعْطَى وأنْعَمَ. ولمَّا كان المتعدِّي في ذلك يستلْزِمُ اللازِمَ مِن غيرِ عَكْسٍ فسَّرَ مَن فسَّرَ مِن السَّلَفِ اللَّفْظَةَ بالمتعدِّي ليَنتِظمَ المعنَيَيْنِ، فَقَالَ: مَجيءُ البَركةِ كُلِّها مِن عندِه أو البركةُ كلُّها مِن قِبَلِه. وهذا فرْعٌ على تبارَك في نفْسِه، وقولُه: {فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} . أي: لا سَمِيَّ له تَعَالَى ولا شريكَ له ولا مِثْلَ."والسَّمِيُّ النظيرُ - أي نَظِيرًا - يستحِقُّ مِثلَ اسمِه، ويُقالُ مُسامِيًا يُسامِيهِ، وهو معنى ما رُوِيَ عن ابنِ عباسٍ: هل تَعْلمُ له سَمِيًّا: مَثِيلًا أوْ شَبِيهًا"."وذلك نَفْيٌ عن المخلوقِ أنْ يكونَ مُشابِهًا للخالِقِ ومُماثِلًا له بحَيْثُ يستحِقُّ العِبادةَ والتَّعظيمَ. ولم يَقُلْ سُبْحَانَهُ: هل تَعلَمُه سَمِيًّا أو مُشابِهًا لغيرِه؟ فإنَّ هذا لم يَقُلْه أَحدٌ، بلِ المُشركونَ المشبِّهونَ جَعَلوا بعضَ المخلوقاتِ مُشابِهًا له مُسامِيًا ونِدًّا وعِدْلًا فأُنْكِرَ عليهم هذا التَّشبيهُ والتَّمثيلُ."
"فالمعنى الصَّحيحُ الَّذِي هو نَفْيُ المِثْلِ والشريكِ والنِدِّ قد دلَّ عليه قولُه سُبْحَانَهُ: {أَحَدٌ} وقولُه: {وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ} ، وقولُه: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} وأمثالُ ذلك. فالمعاني الصَّحيحةُ ثابتةٌ بالكِتابِ والسُّنَّةِ: والعقلُ يدلُّ على ذلك. وكذلك قولُه: "