فهرس الكتاب
وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ. فإنَّ المعنى لم يكُنْ أَحدٌ مِن الآحادِ كُفُؤًا له والنِّدُّ هو العَديلُ والمَثيلُ. وفي الصَّحيحَيْنِ عن ابنِ مسعودٍ قَالَ: قلتُ يا رَسُولَ اللَّهِ: أيُّ الذَّنْبِ أعْظَمُ؟ قَالَ:"أنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ"الحديثَ، وقولُه: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ} أيْ: يُؤلِّهُونَهُمْ في المَحبَّةِ والتَّعظيمِ. وبذلك صاروا مُشركِينَ مَعَ إقرارِهم بتوحيدِ الرُّبوبِيَّةِ. فأخبَرَ تَعَالَى أنَّ مَن أحَبَّ مِن دونِ اللَّهِ شيئًا كما يُحِبُّ اللَّهَ فهو ممَّن اتَّخَذَ مِن دونِ اللَّهِ أندادًا. فهذا نِدٌّ في المَحبَّةِ، لا في الخَلْقِ والرُّبوبيَّةِ فإنَّ أَحدًا مِن أهلِ الأرضِ لم يُثْبِتْ هذا النِّدَّ في الرَّبوبيَّةِ بخِلافِ نِدِّ المَحبَّةِ فإنَّ أكثرَ أهلِ الأرضِ قد اتَّخَذوا مِن دونِ اللَّهِ أندادًا في الحُبِّ والتَّعظيمِ. ثم قَالَ: {وَالَّذِينَ آمَنوا أَشَدُّ حُبًّا للَّهِ} وفي الآيةِ قَوْلانِ:
أحدُهما: {وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا للَّهِ} مِن أصحابِ الأندادِ لأندادِهم وآلِهَتِهم الَّتِي يُحِبُّونَها ويُعظِّمُونَها مِن دونِ اللَّهِ.
والثَّاني: {وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا للَّهِ} مِن مَحبةِ المشركِينَ بالأندادِ لِلَّهِ، فإنَّ مَحبةَ المؤمنينَ خالِصةٌ، ومَحبةُ أصحابِ الأندادِ قد ذَهَبَتْ أندادُهم بقِسْطٍ منها، والمَحبةُ الخالصَّةُ أشدُّ مِن المشترَكةِ. والقَوْلانِ مترتِّبانِ على القولَيْنِ في قوله تَعَالَى: {يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ} فإنَّ فيها قولَيْنِ:
أحدُهما: يُحبُّونَهم كما يُحبُّونَ اللَّهَ فيكونُ قد أثبْتَ لهم مَحبةَ اللَّهِ، ولكنها مَحبةٌ يُشرِكونَ فيها مَعَ اللَّهِ أندادًا.
والثَّاني: أنَّ المعنى يُحبُّونَ أندادَهم كما يُحِبُّ المؤمنونَ اللَّهَ. ثم بيَّنَ أنَّ مَحبةَ المؤمنينَ أشدُّ مِن مَحبةِ أصحابِ الأندادِ لأندادِهم. وكان شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يُرَجِّحُ القولَ الأولَ. ويقولُ: إنما ذُمُّوا بأنْ أشْرَكوا بين اللَّهِ وبين أندادِهم في المَحبةِ، ولم يُخْلِصُوها لِلَّهِ كمَحبةِ المؤمنينَ له. وهذه التَّسويةُ المذكورةُ في قولِه تَعَالَى حكايةً عنهم وهم في النَّارِ يقولون لآلِهَتِهم وأنْدادِهم وهي مُحْضَرةٌ معهم في العذابِ {تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} ومعلومٌ أنهم لم يُسَوُّوهم بربِّ العالَمِينَ في الخَلْقِ والرَّبوبيةِ. وإنما سَوُّوهُم به في المَحبةِ والتَّعظيمِ وهذا أيضًا هو العِدلُ المذكورُ في قولِه تَعَالَى: {ثْمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} أي يَعْدِلون به غيرَه في العبادةِ: الَّتِي هي المَحبةُ والتَّعظيمُ. وهذا أصحُّ القوليْنِ.
والقرآنُ مملوءٌ مِن إبْطالِ أنْ يكونَ في المخلوقاتِ ما يُشْبِهُ الرَّبَّ تَعَالَى أو يُماثِلُه فهذا هو الَّذِي قُصِدَ بالقرآنِ إبطالًا لِمَا عليه المشركونَ والمُشَبِّهُونَ العادِلونَ باللَّهِ تَعَالَى غيرَه.
فالنِّدُ: الشَّبَهُ، يُقَالُ: فلانٌ نِدُّ فلانٍ، ونِدُّ يَدِه أي مِثْلُه وشِبْهُه. ومنه قولُ حسانَ بنِ ثابتٍ:
أَتَهْجُوهُ وَلَسْتَ لَهُ بِنِدٍّ ... فَشَرُّكُمَا لِخَيْرِكُمَا الْفِدَاءُ
وقال جريرٌ:
أَتَيْمًا تَجْعَلُونَ إِلَيَّ نِدًّا ... وَمَا تَيْمٌ لِذِي حَسَبٍ نَدِيدُ
فالَّذِي أنْكَرَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عليهم هو تَشْبِيهُ المخلوقِ به حَتَّى جَعَلُوه نِدًّا لِلَّهِ تَعَالَى يَعبدُونَه كما يَعبدونَ اللَّهَ. وكذلك قولُه: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ} فأنْكَرَ هذا التَّشبيهَ عليهم وهو أصْلُ عِبادةِ الأصنامِ. قولُه: {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُنْ لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ} الآيةَ.
حَمِدَ تَعَالَى نفْسَه على ما له مِن صِفَاتِ الكمالِ المُبَرَّأةِ مِن كلِّ نقْصٍ. وهو الغَنِيُّ بذاتِه وغِناه وصْفٌ ذاتِيٌّ له تَعَالَى. فلا نِدَّ له ولا شَرِيكَ ولا مُعِينَ.