الصفحة 106 من 204

وما ينبغي أنْ يُعْلَمَ أنَّ أعْظَمَ ما عليه المشركونَ قبلَ مُحَمَّدٍ وفي مَبْعَثِه هو دعوى الشريكِ لِلَّهِ والوَلَدِ. والقرآنُ مملوءٌ مِن تنزيهِ اللَّهِ عنْ هذَيْنِ، وتنزيهُهُ عن المِثْلِ والوَلَدِ يَجْمَعُ كلَّ التَّنزيهِ: ولما كان الشرْكُ أكْثَرَ في بني آدمَ مِن القَوْلِ بأنَّ له وَلَدًا كان تنزيهُه عنه أكْثَرَ. وكِلاهما يقتضي إثباتَ مِثلٍ ونِدٍّ مِن بعضِ الوجوهِ. فإنَّ الوَلَدَ مِن جِنْسِ الوالِدِ ونظيرٌ له. وكِلاهما يستلْزِمُ الحاجَةَ والفقرَ فيمتنِعُ وجودُ قادرٍ بنَفْسِه. فالَّذِي جُعِلَ شريكًا لو فُرِضَ مُكافِئًا لَزَمَ افتقارُ كلٍّ منهما وهو ممتنِعٌ، وإنْ كان غيرَ مُكافِئٍ فهو مقهورٌ، والولَدُ يتخِذُه الوالِدُ لحاجَتِه إلى معاونَتِه له كما يتخِذُ المالَ، فإنَّ الولَدَ إذا اشتدَّ أعانَ والِدَه. فإنَّ كَوْنَ المخلوقِ مملوكًا لخالِقه وهو مفتقِرٌ إليه مِن كلِّ وجهٍ، والخالِقُ غنِيٌّ عنه يناقِضُ اتخاذَ الوَلَدِ لأنه إنما يكونُ لحاجَتِه إليه في حياتِه، أو ليَخْلُفَه بعد مَوْتِه، والرَّبُّ غنيٌّ عن كلِّ ما سِواهُ، وكلُّ ما سِواه فقيرٌ إليه، وهو الحيُّ الَّذِي لا يموتُ: والوالِدُ في نفْسِه مفتقِرٌ إلى وَلَدٍ مخلوقٍ لا حِيلَةَ له فيه. والوِلادةُ بغيرِ اختيارِ الوالدِ، والرَّبُّ تَعَالَى يمتنِعُ أنْ يَحْدُثَ شيءٌ بغيرِ اختيارِه. واتخاذُ الولَدِ هو عِوضٌ عن الوِلادةِ لمَن لم يحصُلْ له فهو أنْقَصُ في الوِلادةِ.

وقَالَ ابنُ جريرٍ في تفسيرِ الآيةِ: يقولُ تَعَالَى ذِكْرُه لنبيِّه مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَقُلْ) يا مُحَمَّدُ {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا} فيكونُ مَرْبوبًا لا رِبًّا؛ لأنَّ ربَّ الأربابِ لا ينبغي أنْ يكونَ له ولدٌ {وَلَم يَكُنْ لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ} فيكونَ عاجِزًا ذا حاجةٍ إلى معونةِ غيرِه ضعيفًا، ولا يكونُ إلهًا مَن يكونُ مُحتاجًا إلى مُعينٍ على ما حاوَلَ ولم يكُنْ مُنفرِدًا بالمُلْكِ والسَّلطانِ {وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ وَلِيٌّ مَّنَ الذُّلِّ} يقولُ: ولم يكُنْ له حليفٌ حالَفَه مِن الذُّلِّ؛ لِأنَّ مَن كان ذا حاجةٍ إلى نُصْرةِ غيرِه فذَليلٌ مَهينٌ. ولا يكونُ مَن كان ذليلًا مهَينًا يحتاجُ إلى ناصرٍ إلهًا يُطاعً {وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا} يقولُ: وعظّمْ ربَّكَ يا مُحَمَّدُ بما أمَرْناكَ أنْ تعظِّمَه به مِن قولٍ وفِعلٍ، وأطِعْه فيما أمَرَكَ ونَهَاكَ اهـ.

قولُه: {يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ} التَّسبيحُ: التَّقديسُ والتَّعظيمُ، وهذه الآيةُ كقولِه: {وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ} فكلٌّ يقدِّسُه تَعَالَى وهو المستحِقُّ لكُلِّ كَمالٍ.

وقولُه: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ} الفُرقانُ هو القرآنُ الَّذِي فرَّقَ بين الحقِّ والباطِلِ. {لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ} لجميعِ البَشرِ كما قَالَ {قُلْ يأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} (نَذِيرًا) يُحَذِّرُ مِن وُقوعِ العذابِ بهم إنْ لم يؤمِنوا باللَّهِ وما أرسَلَه به مِن الشرعِ والهُدى. وفيها إثباتُ مُلكِه سُبْحَانَهُ وخَلْقِه وتقديرِه لجميعِ الأشياءِ، ونفيِ النقائصِ مِن اتخاذِ الولدِ والشريكِ وغيرِ ذلك. قولُه: {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ} استدَلَّ سُبْحَانَهُ على المشركينَ فيما جَحَدوه مِن توحيدِ الألوهيةِ. بما أقَرُّوا به مِن توحيدِ الرَّبوبيةِ. وهذا كثيرٌ في القرآنِ كما في هذه الآيةِ.

فتأمَّلْ هذا البرهانَ الباهِرَ بهذا اللَّفْظِ الوجيزِ البَيّنِ، فإنَّ الإلهَ الحقَّ لا بد أنْ يكونَ خالِقًا فاعلًا، يُوصِلُ إلى عِبادِه النفْعَ، ويدفَعُ عنه الضُّرَّ، فلو كان معه سُبحانه إلهٌ لكان له خَلْقٌ وفِعلٌ. وحينئذٍ فلا يَرْضى شِرْكةَ الإلهِ الآخَرِ معه. بل إنْ قَدَرَ على قهْرِه وتفرُّدِه بالألوهيةِ دُونَهُ فَعَلَ؛ وإنْ لم يَقْدِرْ على ذلك انفرَدَ بخَلْقِه؛ وذهَبَ به كما ينفَرِدُ مُلوكُ الدُّنْيَا بعضُهم عن بعْضٍ بممالِكِهم، إذا لم يَقْدِرِ المنفرِدُ على قَهْرِ الآخَرِ والعُلُوِّ عليه، فلا بد مِن أحدِ أمورٍ ثلاثةٍ: إما أنْ يَذْهَبَ كلُّ إلهٍ بخَلْقِه وسُلطانِه، وإما أنْ يَعْلُوَ بعضُهم على بعضٍ، وإما أنْ يَكُونوا كلُّهم تحتَ قهْرٍ إلهٍ واحدٍ يتصرَّفُ فيهم ولا يتصرَّفُونَ فيه ويمتنِعُ مِن حُكْمِهم ولا يمتَنِعونَ مِن حُكمِه. فيكونُ وحدَه هو الإلهُ وهمُ العَبيدُ المَرْبُوبُونَ المَقْهورُونَ. وانتظامُ أمْرِ العالَمِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ، وارتباطُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت