الصفحة 107 من 204

بعضِه ببعضٍ وجَريانِه على نِظامٍ مُحْكَمٍ لا يختلِفُ ولا يفْسُدُ مِن أدَلَّ دليلٍ على أنَّ مدبِّرَه واحدٌ لا إلهَ غيرُه كما دلَّ دليلُ التَّمانُعِ على أنَّ خالِقَه واحدٌ، لا ربَّ غيرُه فذاك تمانُعٌ في الفِعلِ والإيجادِ، وهذا تمانُعٌ في العِبادةِ والألوهيةِ؛ فكما يستحيلُ أنْ يكونَ للعالَمِ ربَّانِ خالِقانِ متكافِئانِ؛ يستحيلُ أنْ يكونَ له إلهانِ مَعبودانِ فالعِلمُ بأنَّ وجودَ العالَم على صانِعَيْنِ متماثِلَيْنِ ممتنِعٌ لِذاتِه مستقِرٌّ في الفِطرةِ، معلومٌ بصريحِ العقلِ بُطلانُه. فكذا تَبْطُلُ إلهيةُ اثنَيْنِ.

فالآيةُ الكريمةُ لِمَا ثَبَتَ واستَقَرَّ في الفِطَرِ مِن توحيدِ الرَّبوبيةِ، دالَّةٌ مُثْبِتَةٌ مستلْزِمةٌ لتوحيدِ الألوهيةِ.

قولُه: {فَلاَ تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ} قَالَ ابنُ الأثيرِ في النهايةِ: ضربُ المَثلِ: اعتبارُ الشَّيْءِ بغيرِه، وتَمثيلُه به، والضربُ: المِثالُ اهـ.

واللَّهُ تَعالَى نَهَى أنْ يضرِبَ عبادُه له الأمثالَ فلا يُقاسُ بِخَلْقِه. وما ابتدعَ مَن ابتدَعَ إلَّا مِن ضربِ الأمثالِ له سُبْحَانَهُ، وأهلُ الكلامِ المُحْدَثِ المُبدَعِ ضَربوا له الأمثالَ الباطلةَ في الخبَرِ عنه وعما يُوصَفُ به، وأصحابُ الإرادةِ المنحرفةِ ضَربوا له الأمثالَ في الإرادةِ والطَّلبِ، وكِلاهما على بِدعةٍ وخطأٍ"فنَهَى تَعَالَى أنْ يَضرِبوا له مَثلًا مِن خَلْقِه، ولم يَنْهَهُمْ أنْ يَضرِبوه هو مَثلًا لِخَلْقِه، فإنَّ هذا لم يَقُلْه أحدٌ ولم يكونوا يَفعلُونَه. فإنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أجَلُّ في صُدورِهم وأعْظَمُ وأكْبَرُ مِن كلِّ شيءٍ في فِطَرِ النَّاسِ كلِّهم، ولكنِ المشبِّهون المشركونَ يَغْلُون فيمَن يُعظِّمونه، فيشبِّهونَهم بالخالِق، واللَّهُ تَعَالَى أجَلُّ في صدورِ جميعِ الخَلْقِ مِن أنْ يَجْعَلوا غيرَه أصْلًا ثم يشبِّهونَه سُبْحَانَهُ بغيرِه. فالَّذِي يُشبِّهُه بغيرِه إِنْ قَصَد تعظيمَه لم يكُنْ في هذا تعظيمٌ؛ لأنه مَثَّلَ أعْظَمَ العظماءِ بما دُونَه، بل بما لَيْسَ بينَه وبينَه نِسبةٌ في العَظَمةِ والجَلالةِ، وعاقِلٌ لا يَفْعَلُ هذا. وإنْ قَصَدَ التَّنقيصَ شبَّهَه بالنَّاقِصينَ المَذْمومِينَ لا بالكامِلِينَ المَمْدوحينَ؛ ومِن هنا يُعْلَمُ إثباتُ صِفَاتِ الكمالِ لا يتضمَّنُ التَّشبيهَ والتَّمثيلَ لا بالكامِلِينَ ولا بالنَّاقِصينَ، وأنَّ نفْيَ تلك الصِّفَاتِ يستلْزِمُ تشبِيهَهُ بأنْقَصِ النَّاقِصينَ، فانْظُرْ إلى الجَهْمِيَّةِ وأَتْباعِهِم جاءوا إلى التَّشبيهِ المذمومِ فأَعْرَضوا عنه صَفْحًا، وجاءوا إلى الكمالِ والمدحِ فجَعَلوه تشبيهًا وتمثيلًا عَكْسَ ما يُثبِتُه القرآنُ وجَاءَ به مِن كلِّ وجهٍ."

قولُه: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ} . الفواحِشُ: كِبارُ الذُّنوبِ، والإثمُ: المعصيةُ، والبَغْيُ: العُدوانُ على النَّاسِ وظُلْمِهم. وفي"الصَّحيحَيْنِ"عن ابنِ مسعودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"لاَ أَحَدَ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَلاَ أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْمَدْحُ مِنَ اللَّهِ". قَالَ ابنُ كثيرٍ:"وحاصِلُ ما فُسِّرَ به الإثمُ أنه الخَطَايا المتعَلِّقةُ بالفاعلِ، والبَغْيُ هو المتعدِّي إلى النَّاسِ. فحرَّمَ اللَّهُ هذا وهذا. وقولهُ: {وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا} . أي: تَجْعَلوا له شُركاءَ في عبادِته: {وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} . مِن الافتراءِ والكَذِبِ مِن دعوى أنَّ له وَلَدًا، ونحوِ ذلك ممَّا لا عِلْمَ لكم به اهـ."

وهذه المُحَرَّماتُ الخَمْسُ هي الَّتِي اتَّفقَتْ عليها الرُّسُلُ والشَّرائِعُ والكُتُبُ الإلهيَّةُ، وهي المذْكُورةُ في قولِه تَعَالَى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} الآيةَ. فهذه مُحَرَّماتٌ على كلِّ واحدٍ في كُلِّ حالٍ على لسانِ كُلِّ رَسُولٍ لا تُباحُ قطُّ، ولهذا أَتَى فيها بإنَّمَا المفيدةِ للحَصْرِ مُطْلَقًا، وغيرُها مَحَرَّمٌ في وقْتٍ مُباحٌ في غيرِه كالمَيْتةِ والدَّمِ ولحمِ الخِنزيرِ، ونحوِه، فهذه لَيْسَت مُحرَّمةً على الإطلاقِ والدَّوَامِ، فلم تدْخُلْ تحت التَّحريمِ المحصورِ المُطْلَقِ"ورَتَّبَ هذه المُحرَّماتِ أربعَ مَراتبَ، وبَدأَ بأَسهلِها وهو الفواحشُ، ثم ثَنَّى بما هو أَشدُّ تحريمًا منه، وهو الإثمُ والظُّلمُ. ثم ثَلَّثَ بما هو أَعْظمُ منهما وهو الشِّرْكُ به سُبْحَانَهُ، ثم رَبَّعَ بما هو"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت