فهرس الكتاب
وأما حديثه: فذكره البيهقي في"سننه" (1) ، فقال: « وروينا عن أبي بكرة أنه كان يشرب قائمًا » ، ولم يسنده ، ولم أجده مسندًا .
وانظر الأثر الآتي .
ثامنًا: أبو بكر الصِّدِّيق - رضي الله عنه -
وحقُّه التقديم - رضي الله عنه - ، وإنما أخَّرته لأني لم أجد من أخرجه عنه ، ويغلب على ظني أنه وهم بسبب اشتباه اسمه باسم أبي بكرة المذكور في الأثر السابق ؛ في قول البيهقي: « وروينا عن أبي بكرة أنه كان يشرب قائمًا » ، ويظهر أن القرطبي وقف على هذا العزو مُصَحَّفًا ، فنسبه (2) لأبي بكر - رضي الله عنه - ، وكذا صنع الزرقاني (3) ، غير أنه أفاد بذكر الراوي عنه ، فقال: « وقال جبير بن مطعم: رأيت أبا بكر الصديق يشرب قائمًا » ، والبيهقي لم يذكر الراوي عن أبي بكرة ، فهذا النقل من الزرقاني يدل على أن هناك من ذكره غير البيهقي ، والله أعلم .
أقوال العلماء في حكم الشرب قائمًا
تبين لنا بعد النظر في الأحاديث والآثار المتقدمة أنها تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: أحاديث النهي عن الشرب قائمًا ، وجملة منها صحيحة ، والنهي يقتضي التحريم كما هو معلوم ، إلا أن يصرفه صارف .
القسم الثاني: أحاديث إباحة الشرب قائمًا ، وهي الأكثر ، وجملة منها صحيحة أيضًا .
وظاهر هذه الأحاديث التعارض ، ولهذا اختلف العلماء في حكم الشرب قائمًا بسبب موقفهم من هذا التعارض ، وسلكوا في ذلك مسلكين ، هما:
المسلك الأول: الترجيح .
المسلك الثاني: الجمع والتوفيق .
أوّلًا: أما الذين سلكوا مسلك الترجيح فهما فريقان:
الفريق الأوّل: الذين رجَّحوا بدعوى النَّسْخ ، واختلفوا على قولين:
(2) في"المفهم" (5/285) ، وسيأتي (ص65) .
(3) في"حاشيته" (4/372-373) .