فهرس الكتاب
2 ـ وأما من رجح أدلة الجواز على أدلة الكراهة لكونها أصح وأثبت ، فهذه الطريقة أيضًا لا يصار إليها إلا إذا تعذر الجمع بوجه من الوجوه (1) ، لأن فيها إهدارًا لنصوص شرعية صحيحة ثابتة في أصول السنة ، بل وفي ثاني الكتب صحة بعد كتاب الله .
3 ـ وأما قول من قال: إن النهي للضرورة وهو أمر إرشاد طبي لا شرعي ، فلا يخفى ما فيه من البعد ، وهو قول يفتقر إلى دليل ، ولم يستدل القائل به إلا بقول الشعبي و النخعي ، و مع أن قولهما ليس بحجة ، فلا يفهم منه أيضًا ما ذهب إليه القائلون ، وكلنا يسلم بأن الأوامر والنواهي إنما شرعها الله سبحانه لمصلحة البشر ، فإذا أطلعنا الله على حكمة من حكم التشريع في حادثة ما أو قضية ، فلا يعني ذلك إحاطتنا بجميع الحكم الأخرى ، والحكم إنما يدور مع العلَّة ، وليس مع الحكمة ، والحاصل أن النصوص الشرعية لا تُطل بمثل هذه الدعاوى .
4 ـ وأما قول بعض الحنفية: إن النهي مخصوص بما سوى زمزم وفضل الوضوء ، فيلزمهم دليل التخصيص ولا مخصص ، وتنقضه الأدلة الأخرى ؛ كالشرب من فم القربة قائمًا ، وفعل الصحابة رضي الله عنهم ، ولذا فقد نقض هذه الدعوى أحد الحنفية أنفسهم ، وهو صاحب"أوجز المسالك" (2) ؛ حين قال بعد أن ذكر هذا القول: « ويخدشه: حديث شرب النبي - صلى الله عليه وسلم - قائمًا من فم القربة ، فإنه داخل فيما سواهما » .
5 ـ وأما من جمع بين النصوص بضرب من التأويل ، فالتأويل لا يصار إليه إلا إذا تعذَّر حمل النص على ظاهرة ، وليس هذا كذلك .
(1) انظر"منهج التوفيق والترجيح بين مختلف الحديث"للدكتور محمد السوسوه (ص57-78 و86-122 و351) .