فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 11

فَالدَّرَجَةُ الأُولَى: الإِيمَانُ بِأَنَّ اللهَ - تَعَالَى - عَلِيمٌ بِمَا الْخَلْقُ عَامِِلُونَ بِعِلْمِهِ القَدِيم، الَّذِي هُوَ مَوْصُوفٌ بِهِ أَزَلًا وَأَبَدًا، وَعَلِمَ جَمِيعَ أَحْوَالِهِِمْ مِنَ الطَّاعَاتِ وَالْمَعَاصِي وَالأَرْزَاقِ وَالآجَال ِ. ثُمّ كَتَبَ اللهُ فِي اللّوْحِ الْمَحْفُوظِ مَقَادِيرَ الْخَلْقِ. (( فَأَوَّلُ مَا خَلَقَ اللهُ الْقَلَمُ قَالَ لَهُ: اُكْتُبْ. قَالَ: مَا أَكتُبُ؟ قَالَ: اُكْتُبْ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ) ). فَمَا أَصَابَ الإِنْسَانَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ، وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ، جَفَّتِ الأَقْلاَمُ، وَطُوِيَتِ الصُّحُفُ، كَمَا قَالَ - تَعَالَى: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} [سُورَةُ الْحَجِّ: 70] ، وَقَالَ: {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} [سُورَةُ الْحَدِيدِ: 22] ، وَهَذَا التَّقْدِيرُ التَّابِعُ لِعِلْمِهِ - سُبْحَانَهُ - يَكُونُ فِي مَوَاضِعَ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا، فَقَدْ كَتَبَ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ مَا شَاءَ، وَإِذَا خَلَقَ جَسَدَ الْجَنِينِ قَبْلَ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ بَعَثَ إِلِيْهِ مَلَكًا، فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ؛ فَيُقَالُ لَهُ: اُكْتُبْ رِزْقَهُ وَأَجَلَهُ وَعَمَلَهُ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ، وَنَحْوَ ذَلِكَ. فَهَذَا التَّقْدِيرُ قَدْ كَانَ يُنْكِرُهُ غُلاَةُ القَدَرِيَّةِ قَدِيمًا وَمُنْكِروهُ اليَوْمَ قَلِيلٌ.

وَأَمَّا الدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ: فَهِيَ مَشِيئَةُ اللهُ النَّافِذَةُ، وَقُدْرَتُهُ الشَّامِلَةُ، وَهُوَ الإِيمَانُ بِأَنَّ مَا شَاءَ اللهُ كَانَ، وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وَأَنَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ حَرَكَةٍ، وَلاَ سُكُونٍ، إِلاَّ بِمَشِيئَةِ اللهِ سُبْحَانَهُ، لاَ يَكُونُ فِي مُلْكِهِ مَا لاَ يُرِيدُ، وَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ مِن الْمَوْجُودَاتِ وَالْمَعْدُومَاتِ. فَمَا مِنْ مَخْلُوقٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ إِلاَّ اللهُّ خَالِقُهُ. سُبْحَانَهُ، لاَ خَالِقَ غَيَرُهُ، وَلاَ رَبَّ سِوَاهُ. وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ أَمَرَ العِبَادَ بِطَاعَتِهِ، وَطَاعَةِ رُسُلِهِ، وَنَهَاهُمْ عَنْ مَعْصِيَتِهِ، وَهُوَ - سُبْحَانَهُ - يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ وَالْمُحْسِنِينَ وَالْمُقْسِطِينَ، وَيَرْضَى عَن الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، وَلاَ يُحِبُّ الكَافِرِينَ، وَلاَ يَرْضَى عَن الْقَوْمِ الفَاسِقِينَ، وَلاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ، وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الكُفْرَ، وَلاَ يُحِبُّ الفَسَادَ.

وَالْعِبَادُ فَاعِلُونَ حَقِيقَةً، وَاللهُ خَالِقُ أَفْعَالِهِمْ. وَ الْعَبْدُ هُوَ الْمُؤْمِنُ وَالْكَافِرُ، وَالْبَرُّ وَالْفَاجِرُ، وَالْمُصَلِّي وَالصَّائِمُ. وَلِلْعِبَادِ قُدْرَةٌ عَلَى أَعْمَالِهِمْ، وَلَهُمْ إِرَادَةٌ، وَاللهُ خَالِقُهُمْ وَخَالِقُ قُدْرَتِهِمْ وَإِرَادَتِهِمْ، كَمَا قَالَ - تَعَالَى-: {لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [سُورَةُ التَّكْوِيرِ: 28، 29] ،

وهَذِهِ الدَّرَجَةُ مِن القَدَرِ يُكَذِّبُ بِهَا عَامَّةُ القَدَرِيَّةِ الَّذِينَ سَمَّاهُم النَّبِي صلى الله عليه وسلم مَجُوسَ هَذِهِ الأُمَّةِ، وَيَغْلُو فِيهَا قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الإِثْبَاتِِ حَتَّى سَلَبُوا الْعَبْدَ قُدْرَتَهُ وَاخْتِيَارَهُ، وَيُخْرِجُونَ عَنْ أَفْعَالِ اللهِ وَأَحْكَامِهِ حِكَمَهَا وَمَصَالِحَهَا.

(فصل)

وَمِنْ أُصُولِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ أَنَّ الدِّينَ وَالإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ: قَوْلُ الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ، وَعَمَلُ الْقَلْبِِ وَاللِّسَانِ وَالْجَوَارِحِ، وَأَنَّ الِإيمَانَ يَزِيدُ بِالطَّاعَةِ وَيَنْقُصُ بِالْمَعْصِيَةِ، وَهُمْ مَعَ ذَِلِكَ لاَ يُكَفِّرُونَ أَهْلَ الْقِبْلَةِ بِمُطْلَقِ الْمَعَاصِي وَالْكَبَائِرِ، كَمَا يَفْعَلُهُ الْخَوَارِجُ، بَل الأُخُوَّةُ الإِيمَانِيَّةُ ثَابِتَةٌ مَعَ الْمَعَاصِي كَمَا قَالَ _ سُبْحَانَهُ - فِي آيَةِ القِصَاصِ: {فَمَنْ عُفِي لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ} [سُورَةُ البَقَرَةِ: 178] ، وَقَالَ: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} [سُورَةُ الْحُجُرَاتِ: 9، 10] ، وَلاَ يَسْلِبُونَ الْفَاسِقَ الْمِلِّيَّ اسْمَ الإِيمَانِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَلاَ يُخَلِّدُونَهُ فِي النَّارِ كَمَا تَقُولُهُ الْمُعتْزَلِةُ، بَل الْفَاسِقُ يَدْخُلُ فِي اسْمِ الإِيمَانِ الْمُطْلَقِ كَمَا فِي قَوْلِِهِ: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} [سُورَةُ النِّسَاءِ: 92] ، وَقَدْ لا َيَدْخُلُ فِي اسْمِ الإِيمَانِ المُطْلَقِ كَمَا فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى-: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا} [سُورَةُ الأَنْفَالِ: 2] ، وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (( لاَ يَزْنِي الزَّاني حِينَ يَزْني وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلاَ يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وهو مؤمِنٌ، وَلاَ يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلاَ يَنْتَهِبُ نَهْبَةً ذَاتَ شَرَفٍ يَرْفَعُ النَّاسُ إِلِيْهِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت