فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 11

فِِيهَا أَبْصَارَهُمْ حِينَ يَنْتَهِبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ )) وَنَقُولُ: هُوَ مُؤْمِنٌ نَاقِصُ الإِيمَانِ، أَوْ مُؤْمِنٌ بِإِيمَانِهِ، فَاسِقٌ بِكَبِيرَتِهِ، فَلاَ يُعْطَى الاسْمَ الْمُطْلَقَ، وَلاَ يُسْلَبُ مُطْلَقَ الاسْمِ بِكَبِيرَتِهِ.

(فَصْلٌ)

وَمِنْ أُصُولِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ: سَلاَمَةُ قُلُوبِِهِم وَأَلْسِنَتِهم لأَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَمَا وَصَفَهُم اللهُ بِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ جَاءُوا منْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} [سُورَةُ الْحَشْرِ: 10] ، وَطَاعَةُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي قَوْلِهِ: (( لاَ تَسُبُّوا أَصْحَابِي؛ فَوالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثَْل أُحُدٍ ذَهَبًا؛ مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ، وَلاَ نَصِيفَهُ ) ).

وَيَقْبَلُونَ مَا جَاءَ بِهِ الكِتَابُ وَالسُّنةُ وَالإِجْمَاعُ مِنْ فَضَائِلِهِمْ وَمَرَاتِبِهِمْ، وَيُفَضِّلُونَ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الفَتْحِ -وَهُوَ صُلْحُ الْحُدَيْبِيَةِ- وَقَاتَل عَلَى مَنْ أَنْفَقَ مِنْ بَعْدِهِ وَقَاتَلَ، وَيُقَدِّمُونَ الْمُهَاجِرِينَ عَلَى الأَنْصَارِ، وَيُؤْمِنُونَ بِأَنَّ اللهَ قَالَ لأَهْلِ بَدْرٍ - وَكَانُوا ثَلاَثمَِائَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَرَ: (( اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرتُ لَكُمْ ) )، وَبِأَنَّهُ لاَ يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، كَمَا أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بَلْ قَدْ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ، وَكَانُوا أَكْثَرَ مِنْ أَلْفٍ وَأَرْبَعِمِائَةٍ. وَيَشْهَدُونَ بِالْجَنَّةِ لِمَنْ شَهِدَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَالْعَشَرَةِ، وَثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ، وَغَيْرِهِمْ مِن الصَّحَابَةِ، وَيُقِرُّونَ بِمَا تَوَاتَرَ بِهِ النَّقْلُ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَغَيْرِهِ مِنْ أَنَّ خَيْرَ هَذِهِ الأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا: أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ، وَيُثَلِّثُونَ بِعُثْمَانَ، وَيُرَبِّعُونَ بِعَلِيٍّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ، كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الآثَارُ، وَكَمَا أَجْمَعَ الصَّحَابَةُ عَلَى تَقْدِيم عُثْمَانَ فِي البَيْعَةِ، مَعَ أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ السُّنَّةِ كَانُوا قَد اخْتَلَفُوا فِي عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى تَقْدِيم أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ- أَيُّهُمَا أَفْضَلُ؟ فَقَدَّمَ قَوْمٌ عُثْمَانَ وَسَكَتُوا، وَرَبَّعُوا بِعَلِيٍّ، وَقَدَّم قَوْمٌ عَلِيًّا، وَقَوْمٌ تَوَقَّفُوا، لَكِن اسْتَقَرَّ أَمْرُ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى تَقْدِيمِ عُثْمَانَ ثُمَّ عَلِيٍّ، وَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ - مَسْأَلَةُ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ - لَيْسَتْ مِن الأُصُولِ الَّتِي يُضلَّلُ الْمُخَالِفُ فِيهَا عِنْدَ جُمْهُورِ أَهْلِ السُّنَّةِ، لَكِنَّ الَّتِي يُضلَّلُ فِيها مَسْأَلَةُ الْخِلاَفَةِ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ أَنَّ الْخَلِيفَةَ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ، ثُمَّ عُثْمَانُ، ثُمَّ عَلِيٌّ، وَمَنْ طَعَنَ فِي خِلاَفَةِ أَحَدٍ مِنْ هَؤُلاَءِ فَهُوَ أَضَلُّ مِنْ حِمَارِ أَهْلِهِ.

وَيُحِبُّونَ أَهْلَ بَيْتِ رَسُولِ اللِه صلى الله عليه وسلم وَيَتَوَلَّوْنَهم، وَيَحْفَظُونَ فِيهِمْ وَصِيَّةَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم حَيْثُ قَالَ يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ: (( أُذكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي. أُذكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ) ). وَقَالَ أَيْضًا لِلْعَبَّاسِ عَمِّهِ - وَقَد اشْتَكَى إِلَيْهِ أَنَّ بَعْضَ قُرَيْشٍ يَجْفُو بَنِي هَاشِمٍ؛ فَقَالَ: (( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا َ يُؤمِنُونَ حَتَّى يُحِبُّوكُمْ لِلَّهِ وَلِقَرَابَتِي ) ). وَقَالَ: (( إِنَّ اللهَ اصْطَفَى بَنِي إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى مِنْ بَنِي إِسْمَاعِيلََ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ كِنَانَةَ قُرَيْشًا، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ ) ).

وَيَتَوَلَّوْنَ أَزْوَاجَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَيُؤْمِنُونَ بِأَنَّهُنَّ أَزْوَاجُهُ فِي الآخِرَةِ، خُصُوصًا خَدِيجَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- أُمُّ أَكْثَرِ أَوْلاَدِهِ، وَأَوَّلُ مَنْ آمَنَ بِهِ، وَعَاضَدَهُ عَلَى أَمْرِهِ، وَكَانَ لَهَا مِنْه الْمَنْزِلَةُ الْعَالِيَةُ. وَالصِّدِّيقَةُ بِنْتُ الصِّدِّيقِ- رَضِي الله عَنْهُما - الَّتِي قَالَ فِيها النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: (( فَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائرِ الطَّعَامِ ) ).

وَيَتَبَرَّءُونَ مِنْ طَرِيقةِ الرَّوَافِضِِ الَّذِينَ يُبْغِضُونَ الصَّحَابَةَ وَيَسُبُّونَهُمْ، وَطَرِيقَةِ النَّوَاصِبِ الَّذِينَ يُؤْذُونَ أَهْلَ البَيْتِ بِقَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ، وَيُمْسِكُونَ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ، وَيَقُولُونَ: إِنَّ هَذِهِ الآثَارَ المَرْوِيَّةَ فِي مَسَاوِيهِمْ مِنْهَا مَا هُوَ كَذِبٌ، وَمِنْهَا مَا قَدْ زِيدَ فِيهِ وَنُقِصَ، وَغُيِّرَ عَنْ وَجْهِهِ، وَالصَّحِيحُ مِنْهُ هُمْ فِيهِ مَعْذُورُونَ: إِمَّا مُجْتَهِدُونَ مُصِيبُونَ، وَإمَّا مُجْتَهِدُونَ مُخْطِئُون.

وَهُمْ - مَعَ ذَلِكَ - لاَ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِن الصَّحَابَةِ مَعْصُومٌ عَنْ كَبَائِرِ الإِثْمِ وَصَغَائِرِه، بَلْ تَجُوزُ عَلَيْهِم الذُّنُوبُ فِي الْجُمْلَة، وَلَهُمْ مِن السَّوَابِقِ وَالفَضَائِلِ مَا يُوجِبُ مَغْفِرَةَ مَا يَصْدُرُ مِنْهُمْ إِنْ صَدَرَ، حَتَّى أَنَّهُمْ يُغْفَرُ لَهُمْ مِن السَّيِّئَاتِِ مَا لاَ يُغفرُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت