الصفحة 68 من 133

فإن كانت الصفاتُ هي التي اشتَركتْ بينَ حرفين، فإن استقلالَ كلٍّ منهما بمَخرجِه عن الآخرِ، هو الذي يُميِّزُه عن مثيلِه في الصفاتِ، وفي هذه الحالةِ لا يُشبِهُ صوتُ أحدِهِما صوتَ الآخَرِ، ولا يَلتبسُ على السامعِ حرفٌ بحرفٍ آخَرَ.

مثالُ ذلك: حرفان اتَّحدا مَخرجًا وصفةً إلَّا في صِفةٍ واحدةٍ كالزايِ والسينِ نجِدُ أن كلًّا منهما، اشترَكا في المَخرجِ وفي الرَّخاوةِ والاستِفَالِ والانفتاحِ والإصماتِ والصفيرِ، ولم يَفترقَا إلَّا في الجهْرِ الذي في الزايِ والهمْسِ الذي في السينِ، فلولا الجهْرُ الذي في الزايِ لصارتْ سينًا، ولولا الهمْسُ الذي في السينِ لصارتْ زايًا، وعلى الرغمِ من هذا التشابُهِ في الصفاتِ والاتحادِ في المَخرجِ، فإن صوتَ السينِ وصوتَ الزايِ مُتميِّزان من بعضِهما تمييزًا خالصًا, لا يَشكُّ سامعٌ أن هذه سينٌ وهذه زايٌ، ولم يقُلْ أحدٌ بضرورةِ اشتباهِ هذين الحرفين في السمعِ أو بالنُّطقِ بأحدِهما مُشرَبًا بصوتِ الآخَرِ لاشتراكِهما في المَخرجِ وتفاوتِهما في الصفةِ كما فعلَهُ الظائِيُّون.

مثالٌ آخَرُ: لحرفين تَقارَبَا مَخرجًا وصفةً ولم يَفترِقا إلَّا في صِفةٍ واحدةٍ وهما اللامُ والراءُ،، فإنهما متقاربان جدًّا في المَخرجِ بل من العلماءِ من عدَّهُما من مَخرجٍ واحدٍ (كالفَرَّاءِ) كما أنهما اشتَرَكَا في الجهْرِ والتوسُّطِ والاستِفَالِ والانفتاحِ والإذلاقِ، والانحرافِ، ولم يَفترِقا إلَّا في صِفةِ التكريرِ التي تميَّزت بها الراءُ عن اللامِ، وعلى الرغمِ من التقاربِ الشديدِ أو قلْ: الاتِّحادِ في المَخرجِ والتقارُبِ الكبيرِ في الصفاتِ بينَ اللامِ والراءِ، إلَّا أن صوتَ الراءِ وصوتَ اللامِ مُتميِّزان من بعضِها تمامًا، لا يَشكُّ سامعٌ أن هذه لامٌ وهذه راءٌ، ولم يَقُلْ أحدٌ بضرورةِ اشتباهِ هذين الحرفين في السمْعِ أو بالنُّطقِ بأحدِهما مُشرَبًا بصوتِ الآخَرِ، لأنهما متقاربان في المَخرجِ والصفاتِ، بل لو نَطقَ شخصٌ بلامٍ يُداخلُها صوتَ الراءِ، أو بالراءِ يُداخلُها صوتَ اللامِ، لما شكَّ أحدٌ أن في لسانِه عيْبًا وكذا يُقالُ في الدالِ والتاءِ، والتاءِ والكافِ والنونِ والميمِ، ولم يقلْ أحدٌ باشتباهِ التاءِ في الدالِ، أو النونِ والميمِ في السمْعِ، ولا بضرورةِ اشتباهِ التاءِ والكافِ أو النونِ والميمِ في السمْعِ، ولا بضرورةِ نُطقِ التاءِ مشرَبةً بصوتِ الكافِ أو الدالِ، أو النونِ مشرَبةً بصوتِ الميمِ لاتِّحادِهم في الصفاتِ، فما بَالُكم وقد جَمَعَت الضادُ بينَ اختلافِ الصفةِ وهي الاستطالةُ عن صفاتِ الظاءِ وكذلك اختلافُ مَخرجِها عن مَخرجِ الظاءِ، فهذان الحرفان أَوْلى بالتمييزِ عن بعضِهما من الزايِ والسينِ، والتاءِ والكافِ، واللامِ والراءِ، والميمِ والنونِ وهذا ما دعا إليه الحافظُ ابنُ الجَزْرِيِّ، ولو سَمَحَ إنسانٌ لنفسِه أن يَنطقَ بالضادِ شبيهةً بالظاءِ في السمْعِ أو مُشرَبةً بصوتِها بِحُجَّةِ تقارُبِ المخارجِ والصفاتِ لتَحتَّمَ عليه، أن يَنطِقَ بالزايِ مُشربَةً بصوتِ السينِ، واللامِ بصوتِ الراءِ، والتاءِ بصوتِ الدالِ، ومعلومٌ ما في هذا من فسادٍ وظهَرَ بُطلانُ الحُجَّةِ التي يَتمسَّكون بها وعلى أساسِها النُّطقُ بهذه الضادِ العجيبةِ، وتَعيَّنَ النُّطقُ بالضادِ خالصةً خاليةً من صوتِ الظاءِ الدخيلِ عليها، لأن مَخرجَ الضادِ الصحيحةِ المتواترةِ يُميِّزُها عمَّا عداها لأنه لا يُشاركُها حرفٌ آخَرُ في مَخرجِها عندَه. واللهُ أعلمُ.

وخروجُها من الجهةِ اليُسرى أكثرُ وأسهلُ, ومن اليُمنى أقلُّ وأصعَبُ ومنهما معًا أعزُّ وأعسَرُ، وهذا معنى قولِ الإمامِ الشاطبيِّ وهو: لديهما يَعِزُّ وباليُمنى يكونُ مُقَلَّلًا، وكانَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يُخرجُها من الجانبَيْن وقيلَ كان سيِّدُنا عمرُ كذلك أيضًا.

وأما الظاءُ فتَخرجُ من بينِ ظهْرِ اللسانِ مما يلي رأسَه وبينَ رأسِ الثَّنِيَّتَيْن العُلْيَيَيْن.

رابعًا: لو تأمَّلْنا ما بينَ مَخرجِ الضادِ الذي ذكرْناه ومَخرجِ الظاءِ لوجَدْنا أن بينَهما خمسَ مخارجَ لتسعةِ أحْرُفٍ وهي مَخرجُ اللامِ ومَخرجُ النونِ ومَخرجُ الراءِ، والمَخرجُ الرابعُ مَخرجُ الطاءِ والدالِ والتاءِ والمَخرجُ الخامسُ مَخرجُ حروفِ الصفيرِ، فكيف نَنطقُ بالضادِ شبيهةً بالظاءِ وبينَهما هذا البُعدُ، فهل هناك أعظمُ من هذا دليلًا على أن الضادَ لا تُشبِهُ الظاءَ وقد أُمِرْنا بالتمييزِ بينَهما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت