الصفحة 67 من 133

أن الضادَ لا تُشبِهُ الظاءَ المُشالَةَ إطلاقًا لأن لكلٍّ منهما مَخرجًا يَخصُّه والتمييزُ بينَهما واجبٌ كما قالَ ابنُ الجَزْرِيِّ:"والضادَ باستطالةٍ ومَخرجِ ميِّزْ من الظاءِ".

أقولُ: التمييزُ ضروريٌّ لنستطيعَ التفرقةَ بينَ النضارةِ والحُسْنِ، وبينَ النظرِ والرؤيةِ في قولِه تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} ولولا التمييزُ لما استَطَعْنا أن نُفَرِّقَ بينَهما، وقالَ - رحِمَه اللهُ - أيضًا:

وإن تَلاقَيا البيانُ لازمُ أَنْقَضَ ظهْركَ يَعضُّ الظالمُ

واضْطُرَّ مع وَعَظْتَ مع أَفَضْتُمْ

يعني أن الضادَ والظاءَ إذا تَلاقيا بأن لم يَفصلْ بينَهما فاصلٌ في اللفظِ فبيانُهما لازمٌ سواءً فَصلَ بينَهما فاصِلٌ في الخطِّ نحوَ: {يَعَضُّ الظَّالِمُ} أم لم يَفصِلْ بينَهما فاصلٌ في الخطِّ نحوَ: {أَنْقَضَ ظَهْرَكَ} وأمَرَ الحافظُ ابنُ الجَزْرِيِّ بهذا التمييزِ لئَلَّا يَختَلطَ أحدُهما بالآخرِ كما فعلَ ابنُ غانمٍ والمَرْعَشِيُّ ومن قلَّدَهما فيَفسدُ المعنى واللفظُ، وتَبطلُ الصلاةُ كما أفتى بذلك صاحبُ المُغنِي حيثُ قالَ"وقيلَ في من قرأ {وَلَا الضَّالِّينَ} بالظاءِ لا تَصِحُّ صلاتُه لأنه يُحيلُ المعنى"، أيْ: يُفسدُه لأن الضلالَ بالضادِ ضِدُّ الهُدَى والظُّلُولُ بالظاءِ هو الصيرورةُ كقولِه تعالى: {ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا} .

واللهُ سبحانه وتعالى خَلَقَ لكُلِّ حرفٍ من الحروفِ الهجائيَّةِ مَخرجًا يَخرجُ منه وإذا حاولَ أحدٌ أن يُخرجَ حرفًا منها من غيرِ مَخرجِه لا يُمكنُه ذلك فسبحان من دَقَّتْ في كلِّ شيءٍ حكمتُه وفي هذا رُوِيَ أن أبا حنيفةَ رضيَ اللهُ عنه ناظَرَ مُعتزِليًّا فقالَ له قلْ: باء فقالَ باء، فقالَ له: قلْ خاء، فقالَ خاء، فقالَ له بَيِّنْ مَخرجَهما، فبيَّنَهما، فقالَ له: إن كنتَ خالِقًا فِعلَك فأَخْرِج الباءَ من مَخرجِ الخاءِ، فبُهِتَ المعتزِلِيُّ وانصرفَ، والذين يَنطقون بالضادِ شبيهةً بصوتِ الظاءِ قد خالفوا كلامَ ابنِ الجَزْرِيِّ المذكورِ الذي يُعتبرُ مقرئَ الدنيا وإمامَها في هذا الفنِّ ولا يُوجدُ سنَدٌ في مشارقِ الأرضِ ومغاربِها في القراءاتِ إلَّا والإمامُ ابنُ الجَزْرِيِّ رجلٌ من هذا السَّنَدِ إلَّا نادرًا.

وقد خالَفَ الظائيُّون ابنَ الجَزْرِيِّ واتَّبَعوا عليَّ بنَ غانِمٍ والمَرْعَشِيَّ ومن تابعَهم من الذين ابتدَعوا هذا الرأيَ من عندِ أنفسِهم ولم يَسبقْهم إليه أحدٌ، مخالِفين بذلك الإجماعَ والتلَقِّي ولم يَشتهرْ بالاستفاضةِ والذيوعِ ولم تتلقَّفْه الأمَّةُ بالقَبولِ فهو رأيٌ شاذٌّ تمتنعُ القراءةُ به منْعَ تحريمٍ في الصلاةِ وغيرِها، ونحنُ ننكرُ عليهم هذا الرأيَ لأسبابٍ، منها:

أن هناك فرْقًا بينَ الضادِ والظاءِ المُشالَةِ من عدَّةِ وُجوهٍ:

أولًا: أن الضادَ لا يَشركُها في صِفةِ الاستطالةِ غيرُها من الحروفِ.

ثانيًا: الضادُ في ذاتِها قويَّةٌ والظاءُ ضعيفةٌ، إذ على قدْرِ ما في الحرفِ من الصفاتِ القويَّةِ تكون قوَّتُه، وعلى قدْرِ ما فيه من الصفاتِ الضعيفةِ يكونُ ضعفُه، والضادُ قد حَوَتْ من الصفاتِ القويَّةِ مالم تحوِ الظاءُ ومن ثَمَّ كانت الضادُ من أقوى الحروفِ بعدَ الطاءِ.

ثالثًا: الضادُ العربيَّةُ الفصيحةُ لا تُشبِهُ الظاءَ المُشالَةَ بحالٍ من الأحوالِ، لاستقلالِ كلٍّ منهما بمَخرجِه، وزيادةِ صِفةِ الاستطالةِ في الضادِ، ودعوى تَشابُهِ الضادِ بالظاءِ المُشالَةِ دَعْوى غيرُ قائمَةٍ على دليلٍ واضحٍ أو قياسٍ صحيحٍ، ولو اجتمعَ أكثرُ من حرفٍ في مَخرجٍ واحدٍ فلابدَّ أن يتميَّزَ كلُّ حرفٍ من الحروف المشترَكةِ في هذا المَخرجِ ولو بصفَةٍ واحدةٍ، على الأقلِّ، وتكونَ هذه الصفةُ كافيةً لتمييزِ كلِّ حرفٍ عن الآخَرِ تمييزًا كاملًا واضحا بحيثُ لا يُشبِهُ صوتُ أحدِهما صوتَ الآخَرِ, ولا يَلتبسُ على السامعِ حرفٌ بحرفٍ آخَرَ، فكيفَ إذا اختَلَفا في المَخرجِ أيضًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت