الصفحة 70 من 133

الإجماعُ على العملِ بالحديثِ الضعيفِ يَجعلُه صحيحًا، ويَنزلُ منزلةَ المتواترِ في أنه يَنسَخُ المقطوعَ به فإجماعُ القرَّاءِ على النُّطقِ بالضادِ المتواترةِ التي يَنطقُ بها مهَرَةُ القرَّاءِ وكَمَلَةُ أهلِ الأداءِ في جميعِ أنحاءِ العالمِ يَجعلُه صحيحًا متَّفَقًا عليه، خُصوصًا وأن القائلين بالضادِ الظائيَّةِ عددٌ قليلٌ جدًّا لم يَتلقَّ الناسُ نُطقَهم بالقَبولِ.

وقُدِّمَ بعضُهم للمحاكمةِ وبعضُهم للإهانةِ واسْتُتِيبوا كما مَرَّ، والدليلُ على وجوبِ العملِ بما أَجمعَ عليه القرَّاءُ قديمًا وحديثًا في جميعِ الأعصارِ والأمصارِ، ما ذكرَه الإمامُ اللَّكْنَوِيُّ في الأجوبةِ الفاضلةِ حيثُ قالَ ما نصُّهُ:

ولهذا قالَ الشافعيُّ في حديثِ (لَا وصِيَّةَ لِوَارِثٍ) إنه لا يُثبتُه أهلُ الحديثِ ولكن العامَّةَ تلقَّتْه بالقَبولِ وعمِلوا به حتى جَعلوه ناسخًا لآيةِ الوصيَّةِ، قالَ الشيخُ عبدُ الفتاحِ أبو غُدَّةَ رحِمَه اللهُ في تعليقِه على هذا بقولِه: أي يُعملُ به وُجوبًا ويكون ذلك العملُ تصحيحًا له، كما صرَّحَ به الحافظُ ابنُ حَجَرٍ في نُكَتِهِ على مقدِّمةِ ابنِ الصلاحِ، ونقَلَه عن جماعةٍ من أئمَّةِ الأصولِ، ويُفهَمُ هذا من قولِ تلميذِه السخاويِّ هنا، حتى إنه يَنزلُ مَنزِلةَ المتواترِ.

أقولُ: إن إجماعَ المسلمين والقرَّاءَ على العملِ بالضادِ المتواترةِ العربيَّةِ في جميعِ الأعصارِ والأمصارِ من عهْدِ الحافظِ ابنِ الجَزْرِيِّ ت (833 هـ) وما قبلَه عن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلى اليومِ يَدلُّ على أنه نُطقٌ صحيحٌ ومُجمَعٌ عليه ومتواترٌ، وأن النُّطق بالضادِ مشوبةً بصوتِ الظاءِ تَغييرٌ لها عن النُّطقِ الصحيحِ، وتؤدِّي إلى التباسِ المعنى وتغييرِه فتبطُلُ به الصلاةُ كما سبَقَ أو على الأقلِّ يُوهمُ التباسَ المعنى، وهذا لا يَجوزُ في كلامِ الله عزَّ وجلَّ.

ومما يَجدرُ التنبيهُ إليه أنه ظهَرَ في الآونةِ الأخيرةِ أَشْرِطَةُ كاسيت مسَجَّلٌ عليها حوارٌ مع بعضِ الشيوخِ يَزعُمون فيها أن النُّطقَ بالضادِ ظاءً أمْرٌ مُجْمَعٌ عليه، وأنه النُّطقُ الصحيحُ مما أَحدثَ فتنةً بينَ الناسِ وتشويشًا على القرَّاءِ بينَ آونةٍ وأخرى.

نقولُ للأستاذِ الذي أَجرى هذا الحديثَ ومِن بينِهم الأستاذُ سيد عبد الفتاحِ سلامة: إن الشيوخَ الذين أَجرَيْتَ معهم هذا الحديثَ منهم شيوخٌ لنا حضَرْنا عليهم ومنهم زملاءُ لنا حضَرْنا معهم في معهدِ القراءاتِ أيضًا.

أما الشيوخُ الذين حضَرْنا عليهم ممن سجَّلوا هذا الحوارَ معكَ فهو الشيخُ إبراهيم شحاتة السَّمنُّودي أطالَ اللهُ عمرَه وكذا الشيخُ سليمان إمام الصغير.

وهذان العالمان حضَرْنا عليهما وكنا نقضي معهما أغلَبَ أوقاتِنا في معهدِ القراءاتِ وخارجِه، فلم نَسمعْ أحدًا منهم يَنطقُ بهذه الضادِ الظائيَّةِ ولا أقْرءُوا بها طلَّابَهم، وكما قالَ الشيخُ إبراهيم شحاتة في هذه الأَشرِطَةِ: إنه كان عضوًا في لجنةِ الإشرافِ على تَسجيلِ المصحفِ المرَتَّلِ في مصرَ بصوتِ الشيخِ الحصريِّ ومعه الشيخُ عامر السيد عثمان واقتَرَحا على المسئولين أن يكونَ التسجيلُ بالنُّطقِ بالضادِ الظائِيَّةِ فقالوا لهما اتركوا الأمرَ على ما هو عليه، وقد رجعَ الشيخُ السَّمنُّوديُّ عن هذا القولِ، ورجوعُه مسجَّلٌ بصوتِه عندَ الشيخِ"أيمن سويد"بِجدَّةَ، ولما سُئِلَ هل قَرأْتَ بهذه الضادِ المشوبةِ بالظاءِ؟ قالَ لا وإنما أخذتُها من كتبِ أهلِ النحوِ والأصواتِ اهـ. وفي هذا دليلٌ على عدمِ قَبولِ كلامِهما ولو كان واجبًا لأمكنَهم تطبيقُه، فلا أدري لماذا يَحكمون على أنفسِهم بأنهم كانوا مُخطئين وهم في شبابِهم وقدرتِهم على البحثِ ويَختِمون حياتَهم بهذا الرأيِ المرفوضِ، والمخالِفِ لما عليه إجماعُ المسلمين، هدانا اللهُ وإيَّاهم إلى الحقِّ.

وأما بقيَّةُ الشيوخِ المسجَّلِ لهم فهم زُملاؤُنا، ولم يَقرأْ أحدٌ منهم بهذه الضادِ ولا شيوخُهم كذلك قَرءُوا بها، هدانا اللهُ وإيَّاهم سواءَ السبيلِ.

وأما شيخُنا الشيخُ محمَّدٌ السباعيُّ عامرٌ يرحَمُه اللهُ فكان هو الوحيدُ من بينِ مدرِّسِي معهدِ القراءاتِ الذي كان يَنطقُ الضادَ مشوبةً بالظاءِ وكانَ لا يُصلِّي مأمومًا من أجْلِ هذا واشتَغلَ في بدايةِ حياتِه الوظيفيَّةِ واعظًا فذَكرَ لنا يرحَمُه اللهُ تعالى أنه كان

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت